الحكمة الثالثة عشرة : كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته .......الخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكمة الثالثة عشرة : كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته .......الخ

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 8:40 am



الحكمة الثالثة عشرة


كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ بيان معنى الشطر الأول من هذه الحكمة: ((كيف يشرق قلب
صور الأكوان منطبعة في مرآته))

وهذه الحكمة أيضاً مرتبطة بالتي قبلها، وقد رأينا أنها هي
الأخرى بدورها متممة للتي قبلها. إذن فهذه السلسلة المترابطة
من الحكم الثلاث، متكاملة، بمقدار ما يتوقف كل منها على
الأخرى.ولنبدأ بدراسة الشطر الأول من هذه الحكمة الجديدة:
«كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته» .كنا قد عرفنا من
قبل أن الإنسان ثنائي التركيب، إذا طرحنا منه قفصه الجسدي الذي
لا شأن ولا قيمة له، فهو مركب من ركنين أساسيين بهما تتكامل
إنسانية الإنسان: العقل والقلب.أما هذا القفص الجسدي فالإنسان
شريك فيه مع سائر الحيوانات الأخرى لا قيمة للشكل أو المظهر
الذي يبدو أنه يفرق بينهما. وإنما تعود الآثار التي يخلفها
الإنسان في المجتمعات، من حضارة وعمران وثقافة وعلوم، إلى
العقل الذي من شأنه أن يعي ويدرك، وإلى القلب الذي هو مجمع
العواطف والوجدان.. إن الإنسان بهاتين الحقيقتين أنشأ ما أنشأ
من حضارات، ووصل إلى ما وصل إليه من علومواكتشافات، بل إنه
بهاتين الحقيقتين أصلح ما أصلح وأفسد ما أفسد فوق هذه
الأرض.إذن فالعقل مهمته في حياة الإنسان الإدراك والوعي. ولسنا
هنا بصدد البحث عن مركز العقل أهو في الدماغ أم في أي مكان آخر
من جسم الإنسان. فلهذا التحقيق مناسبة أخرى.وأما القلب (ولا
نعني به هذا الذي يصطلح عليه الأطباء وعلماء التشريح من العضلة
المادية الجاثمة وراء الرئة اليسرى) فهو ملتقى العواطف
الدافعة والرادعة والممجدة: العواطف الدافعة هي التي تتمثل في
الحب والتعظيم، والرادعة هي التي تتمثل في الخوف والكراهية،
والممجدة هي التي تتمثل في الانبهار والإعجاب والإجلال. هذا
المكان الخفي الذي تلتقي فيه هذه العواطف المتنوعة يسمى
القلب.إذن فأنت يا ابن آدم إنما تحققت إنسانيتك بسرين اثنين:
أولهما هذا العقل المدرك الذي يعي الأشياء ويحاول أن يبلغ
أسرارها. ثانيهما ذلك الوعاء الذي هو مجمع العواطف في حياتك به
تتحقق الكراهية والحب وبه تستشعر الخوف والتعظيم.ولا شأن لنا
الآن بالعقل والحديث عنه. إنما الحديث هنا عن القلب.بوسعنا أن
نتصور الآن أن القلب عبارة عن لوحة تتمتع بحساسية مرهفة إن وقع
بصرك من الدنيا على شيء ينسجم مع رغائبك ومع ما وجه الله آمالك
وأحلامك إليه، انعكس من ذلك شعور على لوحة القلب، أورثك ما
نسميه الحب.. وإن وقع بصرك على ما لا يتفق مع مزاجك وأهوائك،
انعكس من ذلك شعور آخر على لوحة القلبأورثك ما نسميه
الكراهية.. وإن رأيت في المجتمع أناساً قد سابقوك فسبقوك إلى
مجد تبتغيه أو إلى مال تكدّ في سبيله، سرعان ما ينعكس من ذلك
شعور ثالث على لوحة قلبك، هو ما نسميه الحسد أو الحقد أو
الضغينة. وإن رأيت من حولك أناساً لم يقيموا لك الوزن الذي
تريد ولم يأبهوا بك في مجلس من المجالس، أو مجتمع من
المجتمعات، تجلّى على هذه اللوحة من ذلك شعور آخر، هو ما نسميه
الغضب وثورة الأعصاب.تلك هي إذن مهمة القلب، إنه عبارة عما
يشبه لوحة ذات حساسية دقيقة، تسجل وتتجلى عليها المشاعر
المختلفة التي تطلق عليها العواطف الدافعة أو الرادعة أو
الممجدة. إذن فلنطرح السؤال التالي: عندما يمارس أحدنا أعماله
ونشاطاته المتنوعة، أفيستجيب في ذلك لدوافع عقله الذي به يدرك
ويعلم، أم لدوافعه القلبية التي بها يحب ويكره ويعظم ويثور
ويغضب؟!..يقول علماء النفس: إن الدوافع القلبية هذه إلى
الأعمال والأنشطة السلوكية في حياة أكثر الناس، تساوي 70% من
مجموع دوافعهم إلى السلوك. أما الدافع الفكري فيساوي 30%
منها.ولو أن الناس كلهم كانوا يستجيبون في أعمالهم وأنشطتهم
الاجتماعية لقرارات عقولهم وأحكامها، لرأيت الوفاق هو الغالب
على حياتهم ولرأيت ثمار التعاون الدائم بينهم قد مدت فوقهم
رواق السعادة والأمن والأمان، بل لرأيتهم جميعاً يدينون
بالولاء التام لمولاهم الأوحد، وهو الله عز وجل.. ولكن الناس
كانوا ولا يزالون منذ أقدمالعصور يستجيبون لنوازعهم العاطفية
أكثر مما يستجيبون لقناعاتهم العقلية. وإنما يستخدم العقل أداة
بيد مشاعر الحب والغضب والحسد والكراهية والحقد. فهو يتحرك
ويعمل، ولكن كما يحكم سلطان هذه المشاعر.وقد علم الناس قديماً
خطأ، بل خطر، تحكم العواطف بالعقل، فعالجوا ذلك بما يسمونه
التربية، ولعلك تعلم أن التربية تعني اعتماد الوسائل التي
تخُضع العاطفة للعقل، بدلاً مما هو الواقع الغالب من خضوع
العقل للعاطفة. قد تتطور السبل التربوية وقد يتفنن المربون في
وسائلها، ولكن تلك هي الغاية دائماً وعلى كل حال. ولقد كان
الناس ولا يزالون يقولون: فلان يتمتع بتربية عالية، أي إنه
يخضع عواطفه لقرارات العقل وأحكامه.إذا عرفنا هذا فلنعلم إذن
أن القلب هو القائد دائماً لأنه المرجل الذي تغلي فيه العواطف.
والمرجل هو الذي يحرك ويقود.. أما العقل فإنما هو مجرد مصباح
يضيء، ومن ثم فهو ملكة كاشفة، كما قالوا، وليس طاقة مؤثرة.وهنا
يأتي دور كلام ابن عطاء الله الذي يشبه القلب بالمرآة، إذ
تنعكس عليها مشاعر الإنسان وأحاسيسه..أرأيت إلى المرآة إذ
توجهها إلى بئر مظلمة كيف يغدو سطحها أسود مظلماً، وإذ توجهها
إلى الشمس الساطعة، كيف تتلألأ بمثل ضياء الشمس، وإذ توجهها
إلى حديقة تمازجت فيها الخضرة مع أفانين الأزهار والورود، كيف
تتحول إلى لوحة تحمل الصورة ذاتها.. فكذلك القلب، إن هو إلاّ
مرآة تنعكس عليه صور من أحوال صاحبه.فإذا كان الإنسان متجهاً
دائماً برغباته إلى الدنيا التي تتمثل في الدرهم والدينار
والدور والأثاث والمتع والزوجة والأولاد والمجد والشهرة
والزعامة ونحو ذلك بحيث يصبح ويمسي وتلك هي آماله وأحلامه؛ فلا
بدّ أن ينطبع ذلك كله على مرآة قلبه، ولا بدّ أن تتحول عواطفه
كلها إلى جنود مجندة في خدمته. فأنى لوجود الله وسلطانه أن يجد
متسعاً على صفحة هذا القلب؟ وعاء امتلأ وفاض بالآمال الدنيوية
المتنوعة وبالرغائب النفسية والغريزية، ثم تكاثر فوقه الكثير
من مشاعر الحقد على المنافسين، ومشاعر الحسد والبغضاء للسابقين
والمتميزين، كيف يمكن أن يبقى فيه متسع للشعور بمحبة الله أو
للشعور بتعظيمه والمخافة منه؟ هما ظلام وضياء إن احتل أحدهما
القلب غاب عنه الآخر، إذ هما نقيضان لا يجتمعان.وإذا غشّى
القلبَ ظلام هذه الأهواء وما تجره من آثام، تزايدت من ذلك
النكت السوداء عليه، كما قال رسول الله ، إلى أن يعم نسيج هذا
السواد القلب كله، وهو الران الذي قال عنه الله تعالى: {
كَلاّ بَلْ رانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ } {
المطففين: 83/14 } عندئذ يعاني هذا الإنسان ما يسمى بانفصام
الشخصية. إنه مؤمن بعقله، لأن العقل يدرك الحقائق بطريقة آلية،
كما يدرك أن 1+1= 2. فهو عندما يسمع مثل هذا الكلام، أو يحضر
مجلس تذكرة ونصح، يذعن للحق ويعترف به، ويستجمع على ذلك مزيداً
من الأدلة والبراهين. ولكنه ما يكاد يخرج من المجلس حتى يعود
إلى شأنه خاضعاً لأهوائه ورغائبه!..ذلك لأن القيادة بيد
العواطف وليست بيد العقل وإنكم لتشاهدون هذه الحقيقة التي
أقولها في واقع الناس اليوم. إن أكثرهم يعرفون الحق ويميزونه
عن الباطل، ولكن تأمَّل: كم منهم يَخضعون سلوكهم للحق الذي
عرفوه؟ إنهم لا يبلغون الربع!.. لأن الذي يقودهم لهيب العواطف
والأهواء، لا ضياء العقل وأحكامه.وإذا سأل صاحب هذه الشخصية
المزدوجة: ها أنا موقن بالحق الذي أسمعه من كتاب الله عز وجل،
فما الذي يحول بيني وبين الاستجابة لأمره؟ يأتيه الجواب من ابن
عطاء الله: «كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته» قلبك
مظلم بالران الذي تكاثف فوقه. فأنت محكوم لسلطان هذا الران، لم
يبق في قلبك متسع لحب يحدو بك إلى الاستجابة لأمر الله، ولا
لخوف يحجزك عن معاصي الله، ولا لتعظيم يقف بك عند حدود الله!..
والحب، والخوف، والتعظيم، كل ذلك مكانه القلب لا العقل.والقلب
مليء بظلل سوداء، من التعلق بالدنيا.. بالشهوات.. بمنافسة
الآخرين، بمشاعر الحسد والأحقاد عليهم.. منصرف إلى التقلب في
أحلام المتع التي اقتحمْتَ غمارها واستقرت في نفسك
أصداؤها.وإذا أقبل العقل يستأذن قلبك ليغرس فيه شتلاً أو نواة
لمحبة الله عز وجل، يبحث.. ثم يبحث.. فلا يجد فراغاً فيه لهذا
الغرس!..يتجه العقل إلى القلب، ليبلغ صاحبه رسالة الله التي
يقول له فيها: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ
الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ
قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } {
الحديد: 57/16 } ورسالة العقل التي هي العلم، من الأهمية
بمكان، ولكن الحقائق العلمية لا بدّ لها من مغرس تنمو وتزدهر
فيه، ومغرسها في حياة الإنسان القلب. فإذا سدت منافذ القلب
وأظلم أرجاؤه للسبب الذي يذكره ابن عطاء الله، فإن مصير رسائل
العقل كلها الذبول والضياع.وكم يتجلى هذا الذي أقوله في العبرة
التي يسوقها لنا كتاب الله عز وجل، إذ يحدثنا عن ذاك الذي آتاه
الله آياته فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. وأصح
ما قيل في اسمه - على ما ذكره ابن كثير في تفسيره - أنه
بلعام بن باعوراء، أحد علماء بني إسرائيل. لقد آتاه الله آياته
علماً، كما قال عز وجل، ومستودع العلم هو العقل، ولكنه أخلد
إلى الأرض واتبع هواه. وسبيل ذلك إنما هو القلب، تعلق قلبه
بالدنيا التي كنى الله عنها بكلمة (الأرض)، فقاده قلبه بدلاً
من عقله واتبع هواه. فكانت سيرته كسيرة الكلب، يلهث وراء
الدنيا دون أن يشبع منها، كالكلب الذي يلهث بلسانه في كل
الظروف والأحوال. واسمع في هذا كلام الله عز وجل: { وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ
مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ،
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى
الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } { الأعراف:
7/175 - 176 }

avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثالثة عشرة : كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته .......الخ

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 8:41 am

ـ بيان معنى الشطر الثاني منها: ((أم كيف يرحل إلى الله
وهو مكبل بشهواته))

إذن لن يشرق قلب انطبعت فيه صور الأكوان، فحجب صاحبه بذلك عن
المكوِّن جلّ جلاله. ولعلّ فينا من يسأل: ففيم كان ذلك؟ وهلاّ
استقرت في القلب بدلاً عن ذلك صفات المكوِّن، لاسيما وأن العقل
موقن بالله ووحدانيته وصفاته؟يأتي الجواب عن هذا السؤال من
خلال الفقرة الثانية من هذه الحكمة، وهي قوله: «أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبّل بشهواته» ؟ أي لو لم يكن القلب مكبلاً
بشهواته، لاتجه إلى الله عز وجل وابتغى من الدنيا كلها رضاه،
ولو تمّ له ذلك لأعرض عن الأكوان واتجه إلى المكوّن، ولما
انطبعت صور الأكوان في مرآته.إذن فهذه الفقرة الثانية من هذه
الحكمة، تتضمن بياناً لعلاج المشكلة التي تضمنتها الفقرة
الأولى، وهي انطباع صور الأكوان على القلب مما جعله في شغل
شاغل عن المكوِّن.وتعال نتبين الآن العلاج الذي ترسمه الفقرة
الثانية، من حيث تعبّر في الوقت ذاته عن مشكلة ثانية، سيحيل
ابن عطاء الله حلها إلى الفقرة الثالثة:لو كانت الصور التي
تستقر على القلوب كالصور والنقوش التي ترسم على الورق أو
الجدران، لكان السبيل إلى محوها أمراً يسيراً، تعمد إلى
الممحاة فتمحو بها ما أثبتّه على الألواح أو الجدران، ولكن
الصور التي ترسم على القلوب لا يمكن أن تمحى بالوسائل المادية
والتقليدية المعروفة.إن سبيل ذلك محصور في هذه الفقرة الثانية
«أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبّل بشهواته؟» .أي إن صور
الأكوان لم تنطبع على فؤادك إلا بسبب الشهوات التي استعبدتك
وكبّلتك، فجعلتك تثّاقل إلى الأرض. فهي التي ألقت من ذلك ظللاً
من السواد على قلبك، وأنستك المكوِّن وسلطانه، لتشغلك
بمخلوقاته ومكوّناته.إذن فالعلاج الذي يمحو صور الأكوان من
فؤادك، ليتهيأ لاستقبال صفات المكوّن وآلائه، إنما هو تحررك من
أسر الشهوات التي كبّلتك. وإنما يكون ذلك بأن توجه حبك إلى من
بيده إسعادك أو إشقاؤك بهذه الشهوات.


ـ بيان معنى الشطر الثالث منها: ((أم كيف يطمع أن يدخل
حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته))

ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟كيف السبيل إلى أن يحرر أحدنا نفسه من
أسر الشهوات التي تكبلنا فعلاً ببريقها ولذائذها؟.السبيل إلى
ذلك يتبين من المشكلة التي تضمنتها الفقرة الثالثة من هذه
الحكمة، وهي قوله: «أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله، وهو لم
يتطهر من جنابة غفلاته؟» .إذن المشكلة هي غفلتك عن الله الذي
بيده الخلق والأمر كله، بيده النعم التي ترنو إليها، والشهوات
التي تحلم دائماً بها، هو الذي يشعرك بلذاتها إن أقبلت إليك،
ويبتليك منها بالآلام والمنغصات إن أدبرت عنك.وإذا كانت
المشكلة هي هذه الغفلة، فالعلاج يكمن في أن تسعى سعيك الجاد
للتخلص منها.. إذا تخلصت من الغفلة اتجَهَ منك القلب إلى الإله
الذي شهواتك بيده، ونعمك من صنعه، وسعادتك من فضله، فتتعلق
آمالك به، ويصفو حبك له؛ وعندئذ تتحرر من أسر الشهوات التي
كبلتك، ومن ثم تغيب عن مرآة قلبك صور المكونات، لترتسم في
مكانها صفات المكوّن جلّ جلاله.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثالثة عشرة : كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته .......الخ

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 8:41 am

ـ بيان معنى الشطر الأخير منها: ((أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته))

ولكن ما العلاج الذي يعينك على التخلص من الغفلة التي هي سبب
وقوعك في أسر الشهوات، ومن ثَمَّ فهو سبب المشكلة التي
قبلها؟العلاج هو الابتعاد عن الآثام والهفوات، وهو ما تضمنته
الفقرة الأخيرة التي يقول فيها: «أم كيف يرجو أن يفهم دقائق
الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟» .إذن فكثرة الهفوات هي السبب
في الوقوع في الغفلات.. والاستغراق في الغفلات هو السبب في
الاستسلام لأسر الشهوات.. والاستسلام لأسر الشهوات هو السبب في
هيمنة صور الأكوان على القلب، وانتشار (الران) عليه.ومن ثم فإن
العلاج يبدأ بضرورة التغلب على المشكلة الأولى، وهي مشكلة
الاستسلام للهفوات والآثام.. يجب أن تتغلب على هفواتك أي على
معاصيك بالابتعاد عنها والتطهر منها. ولا بدّ أنك ستقول: وهل
بوسعي أن أكون معصوماً من ارتكاب الأوزار، وقد علمنا أن كل بني
آدم خطاء؟.. والجواب: ليس المطلوب هو العصمة، وإنمالمطلوب أن
تحرص على الابتعاد عن المعاصي جهد استطاعتك. فإذا ابتليت بشيء
منها، فطهّر نفسك منها بالتوبة، واعزم بصدق على أن لا تعود،
فإن اهتاجت بك النفس مرة أخرى وعدت إلى المعصية، فعد بعدها
سريعاً إلى التوبة.. والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وتلك هي
عصمة الضعفاء من أمثالنا، وعنهم قال الله عز وجل، مجيباً عن
توعد الشيطان بإغوائه عباد الله أجمعين، بدفعهم إلى المعاصي
والفواحش: { إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ } { الحجر: 15/42 }
فإذا تخلص الإنسان بهذه الطريقة من آفة الهفوات والمحرمات،
وسار ثابتاً مستقيماً في طريق الطاعات، فإن غاشية الغفلة ترتدّ
عنه، وسيصحو شعوره وضميره إلى مراقبة الله عز وجل وذكره. وهكذا
فإن انغماس الإنسان في المعاصي يزجه في ظلام الغفلات؛
وتوجُّهُه إلى الطاعات وتنفيذِ أوامر الله، يوقظه من سكرتها
ويرقى به إلى صعيد مراقبة الله والإكثار من ذكره.فإذا تحرر من
الغفلة التي كان مكبلاً بها، فقد آن له أن يدخل حضرة الله
تعالى، على حدّ تعبير ابن عطاء الله. وهذا التعبير منه إحالةلى
قول رسول الله ، وهو يعرّف الإحسان: «أن تعبد الله كأنك
تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» أي تنجذب بمشاعرك من الدنيا
وأحوالها وآثارها، فتغيب عنك غيبة تامة ولا يبقى في إحساسك إلا
الشعور بأنك في حضرة الله وبين يديه تناجيه بما تخاطبه به من
قرآن أو ذكر أو دعاء كأنك تراه.. ولتعلم أن المسلم بمقدار ما
يبتعد عن المعاصي ويتنزه عنها، يقرب من درجة الإحسان هذه،
ويدخل حضرة الله تعالى بمشاعره التي تطهرت من جنابة الغفلات،
بعد أن تطهرت من دنس الموبقات.وتأمل الآن في أثر هذه اليقظة
القلبية إلى شهود الله، في كبح جماح الشهوات عن النفس وإبعاد
سلطانها عن القلب..إن شهود العبد لربه لا يعني أكثر من شهود
صفاته، وآلائه، ومظاهر فضله ورحمته. فهو لا يستقبل نعمة إلا
ويربطها بالمنعم المتفضل وهو الله عز وجل، ولا يتقلب متنقلاً
من حال إلى حال، إلا ويرى أن الله هو المتصرف به والمسيّر له،
ومن شأن هذا الشعور إذا استمر، أن يصرف القلب من محبة الأغيار
إلى محبة الله عز وجل، إذ هو مصدر كل تفضل وعطاء، وأن يغيب عنه
تعظيم المخلوقات ليقف أمام عظمة الخالق عز وجل.ولا شك أن
الإنسان في كل الأحوال مفطور على حبّ المال ومتعه، وعلى حبّ
النعم بأنواعها، ولكنه عندما يعلم أن المتفضل عليه بها هو
الله، وأن الذي يبعث الشعور بلذتها ونعيمها هو الله، فلا بدّ
أن يتوجه قلبه بالحب إليه، لأن القلوب جبلت على حبّ من
أحسنإليها، وقد علم صاحب هذا الشهود أن لا محسن في الكون كله
إلا الله، والوسائط والأسباب التي تراها إن هي إلا جنود وخدم
تحت سلطان الله، ومن ذا الذي يتخذ من هؤلاء الخدم أنداداً
يحبهم كحب الله؟!.. فإذا ثبت لصاحب هذا الشهود أن المنعم
والمتفضل دائماً هو الله، وأن الذي يرجى نفعه ويخشى ضرّه واحد
لا ثاني له، وهو الله، فلا شك أن المحبوب الأول والمعظم الأول
والْمُهاب الأول لديه هو الله تعالى، ثم تأتي محبته للمتع التي
فطر على حبها في الدرجة الثانية بل الثالثة، بل إن في أصحاب
الشهود من تغيب عن أفئدتهم محبة ما عدا الله نهائياً، ولكن
الله تفضلاً منه ورحمة لم يجعل من هذه الحال المقياس أو
الميزان الذي لا بدّ منه لكمال الإيمان، بل جعل ميزان ذلك
تسامي محبة الله على محبة الأغيار، وانظر هذا اللطف الإلهي كم
يتمثل في قوله عز وجل: { وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } { البقرة: 2/165
} إذن فقد تجتمع محبة الله مع محبة أنداده في قلب المؤمن، ولكن
محبة الله تكون هي الغالبة فيه.كان صاحب هذا الشهود، من قبل،
أي عندما كانت غاشية الغفلة تغطي فؤاده، مكبلاً بشهواته،
أسيراً لها، متطلعاً إليها.غير أنه اليوم وقد انجابت عنه غاشية
الغفلة، وهيمنت عليه لذة شهود الله، لا بدّ أن يتضاءل سلطان
شهواته الدنيوية، وأن يتسامى قلبه فوقها، وليس معنى هذا أن
يتحول صاحبها إلى ملَك لا يشعر بها، ولا يتعامل معها، وإنما
ينفك عن أسرها ويتحرر من سلطانها. إذ إن لهمن لذة شهوده لله،
وحبه وتعظيمه لله تعالى، ما يشغله عن التعلق بشهواته النفسية،
إن ورد إليه شيء منها بطريقه الشرعي، استقبله بقبول حسن، وإن
لاحت له شاردةً عن ضوابط الشرع وحكمه أعرض عنها وترفع فوقها.إن
صاحب هذه الشهود (وسَمِّهِ الواصل إلى رتبة الإحسان إن شئت) لا
يمرّ على كلام الله كأحدنا مرّ الكرام، غير آبهٍ بمعانيه ولا
متأثر بمراميه، بل يتأمل فيه تأمل من يسمعه خطاباً مباشراً من
الله له.. فكيف تكون حاله، وكيف تكون علاقته بشهوات الدنيا،
عندما يسمعه يقول: { إِنَّما هَذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا
مَتاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ } { غافر:40/39
} إن سماعه لهذا الكلام مع الحالة التي هو فيها، مما قد وصفت
لك، يهوّن من أمر الشهوات التي تتراقص أمام بصره، فلا تستطيع
أن تأسره لتسيره لحسابها.واعلم بأن محبة الله إذا هيمنت على
القلب، بددت ما كان يعشش فيه من قبل من محبة الأغيار، ومنها
الشهوات والأهواء.فإذا وصل السالك إلى الله، في معالجة مشكلاته
القلبية هذه إلى هذا الحد، فإن مرآة قلبه تتحول من التوجه إلى
الأكوان وما فيها من متع وأهواء ورغائب، لتتّجه إلى المكوّن
وهو الله عز وجل.أجل.. ستنمحي عنه صور الأكوان، لتترسخ عليه
صفات المكوّن جلّ جلاله. ولكن لا بممحاة مادية مما تمحى به
النقوش والرسوم على الألواح، وإنما بسلسلة العلاجات التي ذكرها
ابن عطاء الله.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثالثة عشرة : كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته .......الخ

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 8:42 am

ـ قد نتساءل: كيف يتأتى للإنسان الذاكر أن ترى عيناه صور
المكوَّنات، دون أن تستقر هذه الصور في الذاكرة وعلى
صفحات القلب؟

لعلك تقول: كيف يتأتى أن ترى العينان صور المكوَّنات، ثم لا
تستقر هذه الصورة في الذاكرة ثم على صفحات القلب؟والجواب أن
صور المكَّونات لا بدّ أن تنتقل من العينين إلى الذاكرة أو
المخيلة كما تقول، فإذا تجاوزتها إلى القلب، وصادفت قلباً
نابضاً بحب الله وبذكره كما قلت لك قبل قليل، فإن القلب لا
يتلقى بدوره هذه الصور، إلا على أنها آيات ناطقة بوجود الله
ووحدانيته، يتلقاها سطوراً صيغت بأبلغ بيان ينطق بصفات الله
وعظيم آلائه، يتلقاها وهو ينشد قائلاً: وفي كل شيء له آية تدل
على أنه واحدصاحب هذا القلب المحب الذاكر، نعم يرى المكونات..
نعم تنعكس صورتها على قلبه، ولكنها لا تنطبع على صفحاته إلا
لتنقل حديث تسبيحها إليه، فيفقهه ذلك القلب من دون الناس
جميعاً. وصدق الله القائل: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ
يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
{ الإسراء: 17/44 } صاحب هذا القلب المحب الذاكر، نعم، يرى
زخرف الأرض من خضرة وزهور وورود ورياحين، كما يراها التائهون
والغافلون، ولكنقلبه يذيبها ويحيلها إلى شعاع من الشوق إلى
جمال الله، والحيرة في عظيم وبديع صنع الله.. وهو يرى في الليل
صفحة السماء تتلألأ بنجومها، منورة ببدرها، ولكن قلبه لا يتلقى
هذه الصورة إلا رسالة وافدة إليه من عند الله، فهو مهما قلب
ناظريه في آفاق السماء، لا يتبين فيها إلا مضمون هذه الرسالة..
وهو يتأمل في السماء التي تمطر وفي الأرض التي تنبت، وفي أنواع
الأطعمة والفاكهة المتنوعة في مذاقها ورائحتها وألوانها، ولكن
قلبه المحب الذاكر لا يتلقاها إلا نعماً وافدة من المولى
المتفضل الكريم، ولا تنطبع على مرآته، إلا آية من نور يخاطب
الله بها عباده قائلاً: { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ
وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور } { سبأ:
34/15 } وذلك هو شأن يقظة القلب بمحبة الله وتعظيمه والخوف
منه. مهما انعكست عليه صور الآثار الكونية، فإنه لا يرى فيها
إلا المؤثر جلّ جلاله. وتلك هي الحالة التي يسمونها وحدة
الشهود، وهي المرتبة العليا التي يجب على كل منا أن يجاهد نفسه
في بلوغها، في الاصطباغ الشعوري، بعد اليقين العقلي، بوحدانية
الله عز وجل. وهي تختلف عن وحدة الوجود الباطلة اختلافاً
جذرياً.وإذا لم يبلغ أحدنا هذه الرتبة في الاصطباغ بحقيقة
التوحيد، فلسوف تصبح صور المكونات التي يتعامل معها، حجاباً
يشغله عن ذكر الله وعن حقيقة قيوميته الدائمة على هذا الكون.
ولسوف يتيه بالآثار عن المؤثر، وبالصنعة عن الصانع، ولا بدّ أن
يسلمه هذا التيه، من بعد، إلى يمّ من الغفلات، ثم إلى منزلقات
من الهفوات والآثام.إن العبد إذا ازداد تعلقه بعبد مثله أو
بفتاة من الناس، يقع في معاملته له أو لها في هذا الذي يسمونه
بوحدة الشهود، فإذا وقع بصره على شيء من آثاره أو آثارها، تاه
عن ذلك الشيء وزاغت عيناه عن التأمل في حقيقته، وانصرف بخياله
إلى صاحبة هذا الشيء، فلم يعد يرى فيه إلا ما يذكره بها. ألم
تسمع قول مجنون ليلى وهو يتحدث عن ديار ليلى التي رآها بعد طول
غياب: أَمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى

أُقَبِّلُ ذا
الجدارَ وذا الجدارا

وما حُبُّ الديارِ شغفْنَ
قلبي

ولكن حبُّ مَنْ سَكَنَ الديارا

وإذا كان هذا شأن
العبد مع إنسان مثله، يغيب عن آثاره به، فكيف ينبغي أن يكون
شأن العبد مع ربه الذي هو وحده ربّ هذا الكون كله؟ ينبغي أن
يكون أكثر حباً له من سائر الأنداد، كما قال الله عز وجل، وإذا
أصبح كذلك، إذن ينبغي إذا رأى عظيم صنع الله، وجميل إبداعه،
وواوانظر إلى الآيات التي يأمر الله فيها عباده أن يتخذوا من
مظهر المكونات كلها جسراً يوصلهم إلى ذكر الله، ويعتقهم من
رقدة الغفلات، تجد أنها جميعاً تبصرنا بالسبيل إلى بلوغ وحدة
الشهود التي هي أولى ثمرات عقيدة التوحيد. وذلك من مثل قوله:
{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ... } { آل
عمران: 3/190 } إذن فالمرحلة الأولى من العلاج تبدأ بالعمل على
التخلص من ارتكاب المحرمات بالنهج الذي أوضحته لك. فإذا أخذت
نفسك بذلك، تخلصت من بلاء الغفلات التي تنسيك عبوديتك لله
وعظيم مسؤولياتك تجاهه.. وإذا تخلصت من هذه الغفلات بالإكثار
والمداومة على ذكر الله، فلسوف يورثك ذلك حباً وتعظيماً لله عز
وجل، ولسوف ترقى بذلك إلى رتبة الإحسان التي عرّفها رسول الله
بأن تعبد الله كأنك تراه.. وإذا استقر بك المقام في هذه
الرتبة، غابت عن فؤادك صور الأكوان التي تراها واستقرت في
مكانها صفات المكوِّن عز وجل، وتتحول المكونات كلها على صفحة
فؤادك إلى أسطر نورانية تقرأ فيها باهر مظاهر حكمة الله ورحمته
وإكرامه وفضله وتلك هي حقيقة وحدة الشهود التي هي ذروة ما
ينبغي أن يَشُدَّ المسلمُ نفسَه إليه من حقائق التوحيد.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى