الحكمة السابعة : لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكمة السابعة : لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 5:33 am

الحكمة السابعة

لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

ـ في كتاب الله تعالى وعود كثيرة ألزم الله بها ذاته
العلية دون اشتراط دعاء، قد يرى كثير من الناس أنها لم
تتحقق وأن الواقع يخالفها، فما الجواب

يفيض كتاب الله عز وجل بوعود ألزم بها ذاته العلية للمسلمين،
دون أن يقيد إنجازها بمسألة ودعاء، بل ألزم الله بها ذاته
العلية ابتداء، إن وفى المسلمون بالأوامر والمتطلبات التي
كلفهم بها.من ذلك هذه الوعود القاطعة التي ألزم الله عز وجل
بها ذاته لعباده الذين أنجزوا ما قد أوصاهم وكلفهم به:- {
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَما
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.. } { النور: 24/55
} - { لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ
وَعِيد } { إبراهيم: 14/13ـ14 } - { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ
عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ } { القصص: 28/5 } - {
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.. } { النحل: 16/97 } - {
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي
مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } {
الملك: 15/67 } والذي يحصل أن كثيراً من الناس قد يمرون على
هذه الآيات وأمثالها، ويقفون على هذه الوعود التي ألزم الله عز
وجل ذاته بها لعباده الذين طبقوا أوامره.. وينظر فيجد أن هذه
الوعود، أو أكثرها، غير ناجزة اليوم. فالمسلمون ليسوا منصورين
كما قد وعدهم الله، والظالمون يسرحون ويمرحون ويستلبون الحقوق،
ولم يهلكهم الله كما قد وعد، وتوعّد. والمسلمون فيهم الكثير
ممن لم تتحقق لهم الحياة الطيبة كما قد وعدهم الله عز وجل..
إلخ.فابن عطاء الله يخاطب هؤلاء المرتابين في وعود الله عز وجل
قائلاً: «لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك». * * *
غير أن لأحدنا أن يسأل قائلاً: كيف لا أشك في الوعد، وأنا أرى
أمامي الواقع المخالف له؟والجواب هو أن الذي تُداخله الريبة في
صدق وعود الله عز وجل، (وقد ذكرت نماذج عنها)، هو ذاك الذي
يلاحق دائماً ما له من حقوق عند الله، ولا يلاحق نفسه بشيء من
الواجبات الثابتة لله عليه.إنه يقول مثلاً: ها نحن مؤمنون
مسلمون، مساجدنا عامرة بالمصلين، نستقبل شهر رمضان بالصيام،
نهرع إلى الحج في أيامه، إذن فنحن ننتصر لدين الله، فأين هو
نصره لنا؟ ما له يسلط علينا الأعداء من كل جهة، يستلبون حقوقنا
ويحتلون أوطاننا؟يقول هذا من خلال المناظير المكبرة التي يضعها
على حقوقه وحقوق الأمة جمعاء، دون أن يتتبع الواجبات التي كلفه
الله بها فضيعها، من خلال منظار ضعيف واحد!..يمتن على الله بأن
شعائر الإسلام لا تزال قائمة، فالمساجد تشهد مصلين فيها،
ورمضان يشهد الصائمين والقائمين، ومكة تزدحم بالحجيج في كل
عام. غير أنه لا يخترق هذه الشعائر العامة ليقف على أخلاق
الناس وسلوكهم، وليدخل البيوت ويشهد غربة الإسلام فيها،
وانصراف الأسر إلى ليالي الشهوات والأهواء، وليطل على الأفكار
التي تستهين بالإسلام كله من جذوره إلى فروعه، وتقف من أحكامه
وأنظمته موقف المتبرم من القديم الذي ملّه واجتواه أهله،
وليتبين التيار المستغرب الذي ينادي بالحداثة آناً وبالعلمانية
آناً، وبالحرية التي تهدف إلى الانعتاق من أَسْرِ الدين آناً
آخر، ولا يتأمل ليرى أن هذا المزيج المعرض عن الله وأحكامه هو
النسيج الذي يشكّل كسوة المجتمع في الجملة، وهو الذي يفرزه
مسرح الأنشطة والأحداث التي تموج فيه. أما الشعائر التي يمتن
بها على الله ليطالبه من خلالها بحقوقه، فهي كما يعلم الجميع
قشرة رقيقة وضاءة تغطي واقعاً مظلماً مخيفاً.وآية هذا الذي
أقول، أن جلّ الذين يقولون هذا الكلام ويحتجون على الله
بوعوده، نجدهم من الشاردين عن هديه والمستهترين بأحكامه،
والبعيدين حتى عن معرفة الأساسيات من دينه. وعندما يحتجون على
الله بهذا الذي يقولون، إنما يتذكرون في الشعارات الإسلامية
العامة، التزامات غيرهم!..فما هو الأساس الذي يتفرع عنه هذا
الواقع الذي وصفت؟أساس ذلك أن الإنسان كلما كان بعيداً عن الله
مستغرقاً في المشاغل الدنيوية تقل وتضمر أمام بصيرته حقوق الله
عليه، وتتكاثر رغباته وأمنياته التي قد يرى فيها حقاً له على
الله!!..مثل هذا الإنسان إن رأى نفسه يؤدي الفرائض الخمس ويتجه
مع الناس في موسم الحج إلى بيت الله الحرام، وينساق مع الناس
للصيام في شهر رمضان، يجزم بأنه قد أدى كل ما لله من حق عليه،
وإنما بقي أن تصله حقوقه التي وعد الله بها عباده الصالحين في
محكم كتابه.وكلما كان الإنسان أكثر معرفة بالله وصفاته، وأبعد
عن الاستغراق في المشاغل الدنيوية، تعظم وتتكاثر أمام بصيرته
حقوق الله عليه، وتضمر بل تذوب حقوقه التي يرى أنه قد غدا
أهلاً لها.تصور حال شاب حديث العهد بالإنابة والتوجه إلى الله،
إنه إن وجد نفسه موفقاً لأداء الفرائض الخمس بأي أشكال الأداء،
قادراً على الإقلاع عن الفواحش والكبائر التي كان عاكفاً
عليها، يظن أنه قد بلغ بذلك درجة الصديقين.فإذا ازداد تشبعاً
بحقائق الإسلام وازداد معرفة بالله وصفاته، أخذ يشعر بتقصيره،
وأصبح يرى في صلاته الثغرات الكثيرة من الغفلة وعدم الحضور
فيها، ومن الاكتفاء بالفرائض وإهمال ما يتممها من النوافل،
ويحفزه هذا الشعور على أن يحمل نفسه على مزيد من الطاعات وعلى
مزيد من الإتقان في أدائها.. فإذا ازداد تذوقاً لحقائقالإسلام
وازداد حباً لله وتعظيماً له، عاد إلى قرباته وطاعاته ينظر
إليها وإذا هي في عينه تافهة قليلة لا تساوي شيئاً أمام عظيم
حق الله عليه وأمام نعمه الكثيرة التي يتقلب منها في يمّ لا
حدود له، فيضاعف عندئذ من قرباته وطاعاته، ويبالغ في رعايتها
أن تكون صافية عن الشوائب.فأنى لهذا الإنسان والحالة هذه أن
يرى لنفسه حقاً على الله يطالب به؟ وكيف يتأتى له، وهو مغمور
بمشاعر تقصيره، أن يطالب الله بالحياة الطيبة التي وعد بها
عباده الصالحين؟ولما كان سيدنا محمد رسول الله أكثر الناس
معرفة بربه وأكثرهم حباً وتعظيماً له ومهابة ومخافة منه، فقد
كان أكثرهم شعوراً بالتقصير في جنبه والعجز عن شكره وأداء
حقوقه.. ولقد كانت تنتابه من ذلك حالات من الضيق الآتي من تصور
بعده عن الوفاء بحقوق الله فيستغرق في الاستغفار، شأن العاصي
الذي جاء يطلب من الله الصفح عما اجترح. وهذا معنى قوله
: «إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم والليلة مئة
مرة»
رواه_بهذا_اللفظ_مسلم،_ورواه_البخاري_بلفظ:_«فأستغفر _الله_أكثر
_من_سبعين_مرة». .وقد عبر عن هذه الحقيقة بعض الصالحين بقوله:
«حسنات الأبرار سيئات المقربين».وبوسعك أن تتبين جليّ ما قد
أوضحت، في هذه الأسطر التي أنقلها لك من كلام الإمام الشاطبي
في كتابه الموافقات: «فالضرب الأول حاله حال من يعمل بحكم عهد
الإسلام وعقد الإيمان، من غير زيادة. والثاني حاله حال من يعمل
بحكم غلبة التعظيم والخوف والرجاء والمحبة. فالخوف سوط سائق،
والرجاء حادٍ قائد، والمحبة تيارٌ حامل.. والخائف يعمل مع وجود
المشقة، غير أن الخوف مما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو
أهون وإن كان شاقاً.. والمحب يعمل ببذل المجهود شوقاً إلى
المحبوب، فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعيد، وتفنى القوى
ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة»
الموافقات_للشاطبي_2/141.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة السابعة : لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 5:34 am

ـ النتيجة هي أن الله لايخلف وعداً قطعه على ذاته لمن
أدوا شروط الوفاء به

والنتيجة التي ننتهي إليها من معرفة هذا الأساس، هي أن الله لا
يخلف عهداً أو وعداً قطعه على ذاته العلية لمن أدوا شروطه بصدق
وإخلاص.غير أن الذين يعرفون هذه الشروط ويقدرونها حق قدرها هم
الذين عرفوا الله حق معرفته وفاضت أفئدتهم حباً وتعظيماً له،
لا الذين يتعاملون مع الله على أساس من عقد الإسلام فقط كما
قال الشاطبي، ويحصون على الله حقوق أنفسهم دون أن يتذكروا حقاً
على أنفسهم له. إن هؤلاء لن يدركوا أي معنى لقوله تعالى: {
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها
اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ ، رِجالٌ
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ ، لِيَجْزِيَهُمُ
اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ } { النور:
24/36 - 38 } لقوله: { لا تلهيهم } { النور: 24/36 - 38 }
713 أخبرني أحد الجنود الذين كانوا في هزيمة حرب عام 67، أنه
كان عائداً إلى دمشق مع ثلة من زملائه الجنود، وفي الطريق حان
وقت الصلاة، فبحثوا عن مكان مناسب، ووقفوا يصلون.. وفي تلك
الأثناء مرّ بهم خبراء من العسكريين الأجانب، فوقفوا ينظرون
إليهم.. ولما أتموا صلاتهم قالوا لهم: إن الله لم ينصركم في
الحرب فلماذا تصلون له؟..قلت للجندي الذي أخبرني بهذه القصة:
كان عليكم أن تقولوا لهم: إننا نصلّي شكراً له أنه لم يعاقبنا
على آثامنا وإعراضنا عن أوامره، وارتكابنا للمنكرات الكثيرة
التي تفور بها معسكراتنا، بخسف ولا بمحق ولا بزلزال، ولا
بحجارة يمكن أن يرسلها علينا من السماء، إذ إننا نستحق أكثر من
هذا الذي أصابنا.إن أولئك الخبراء الذين طرحوا سؤالهم ذلك، لم
يكونوا جاهلين بحقوق الربوبية، بل كانوا جاهلين بالذات
الإلهية، ناسين وجوده من حيث هو!..وإني لأذكر أن أحد الصالحين
سئل - وكان مظنة ولاية وقرب من الله عز وجل -: ألا ترينا يا
سيدي بعضاً من كراماتك التي تزيدنا إيماناً وثقة بالله عز
وجل؟قال لهم: ألا ترون أعاجيب الخوارق والكرامات التي يكرمني
الله بها في كل لحظة؟قالوا له: لم نر شيئاً منها بعد..قال:
أفلا ترون أني أسير فوق الأرض دون أن تخسف بي، ودون أن تنهمر
عليّ النيازك والشهب؟.. أليس من الإكرام الإلهي - وأنا أستحق
الهلاك بسبب تقصيري الدائم وتفريطي في أوامره وحقوقه - أن
يحيطني بحمايته ورعايته فلا يهلكني كما قد أهلك الكثير ممن
كانوا قبلي؟!..إن هذا الذي قاله هذا الرجل الصالح كان صادراً
من صادق مشاعره، ولم يكن يقوله تصنعاً أو تكلفاً.. بل هو شأن
كل من فاض قلبه تعظيماً لله ومهابة له وخوفاً منه وإدراكاً
لآلائه ونعمه التي يتقلب في غمارها، لا سيما عندما يقف على مثل
قوله عز وجل: { لا تلهيهم } { النور: 24/36 - 38 }
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة السابعة : لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 5:35 am

ـ على كل من يتعامل مع الله عز وجل أن يبدأ فيعلم سنن
الله التي يتعامل على أساسها مع عباده

ثم إن على كل من يتعامل مع الله عز وجل، أن يبدأ فيقف على سنن
الله في عباده والقواعد التي يتعامل معهم على أساسها، كي لا
يخطئ في فهم ما قد يراه من الأحداث.


ـ من هذه السنن قوله عز وجل: {واتقوا فتنة لاتصيبّن الذين
ظلموا منكم خاصة}

إن من بعض هذه القواعد والسنن، أنه جلّ جلاله قد يأخذ الكلّ
بجريرة البعض، وقد نص البيان الإلهي على هذا في قوله عز وجل:
{ ..لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ
وَعِيد } { إبراهيم:14/13ـ14 } عندما سألته زينب رضي الله
عنها قائلة: «أنهلك وفينا الصالحون؟» فأجابها قائلاً: «نعم،
إذا كثر الخبث».فلا يقولن قائل: ما جريرتنا نحن الملتزمين
والمستقيمين، أن يصيبنا البلاء أو يحيق بنا الهلاك بسبب
غيرنا.وقد نفذت هذه القاعدة، بقدر كبير من الشدة والدقة، في
عهد رسول الله ، يوم أحد، ويوم حنين.في غزوة أحد أمر رسول
الله الرماة، وكانوا زهاء خمسين، أن لا يبارحوا أماكنهم حتى
يأذن لهم رسول الله ، وكان رسول الله قد أقامهم فوق رابية
يحمون فيها ظهور المسلمين.فلما بدأ القتال ودارت رحى الحرب على
المشركين، وأيّد الله المسلمين بالنصر، فهُزم المشركون شرّ
هزيمة، وتركوا وراءهم كثيراً من الأموال والغنائم، نظر الرماة
من أماكنهم إلى ما حلّ بالمشركين، فلم يشكّوا في أن الحرب قد
وضعت أوزارها، وتشاوروا في أن ينزلوا فينالوا نصيبهم من
الغنائم.. فأيد بعضهم ذلك وخالف آخرون محذرين من مخالفة أمر
رسول الله. فنزل الذين اجتهدوا ورأوا النزول قبل أن يأذن لهم
رسول الله بذلك. فماذا كانت النتيجة؟أدخل الله في أفئدة فلول
المشركين العزيمة والجرأة، بعد الخوف والرعب، فاستدار بعض منهم
يرأسهم خالد إلى جبل الرماة الذي خلا من أكثر الذين كانوا
عليه، فقتلوا البقية المرابطين عليه، وانحطوا بسهامهم في ظهور
المسلمين الذين أدخل الله في أفئدتهم الاضطراب والرعب، بعد
الذي كانت تفيض به من الصمود ونشوة الظفر.. وماهو إلا أن تحول
النصر إلى هزيمة، راح ضحيتها كثير من المسلمين، بل أصاب رشاشها
شخص رسول الله الذي كسرت رباعيته ووقع في كمين أعده له
المشركون.كل ذلك، من أجل خطأ أو معصية تورط فيها بعض الجنود من
أصحابه ، ولم يشفع وجود رسول الله في الغض عن تلك المعصية
وطيّها عن الاعتبار. ونزل في ذلك بيان من الله عز وجل يرسِّخ
في أذهان الناس هذه السنة الإلهية التي يأخذ بها عباده، كي
يأخذوا حذرهم ولا يعودوا إلى مثلها. وهو قوله عز وجل: { وَقالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم } { غافر:40/60 } فتأمل،
يرحمك الله، وقارن بين تلك الغلطة أو المعصية التي تورط فيها
بضع عشرات في جيش معهم رسول الله ، والمعاصي الكبيرة والكثيرة
التي تفيض بها المعسكرات اليوم، والتي يكاد يصل البعض منها إلى
قريب من الكفر. ثم قارن بين عصا التأديب التي أصابت رسول الله
وأصحابه من جراء تلك الغلطة، وعصيّ التأديب التي تصيبنا نحن
المسلمين اليوم، من جراء الآثام الخطيرة التي استسلمنا راضين
مطمئنين لتياراتها، تجد أننا مغمورون بدلال عجيب وبألطاف كبيرة
من الله عز وجل.فإذا جاء، مع هذا كله، من يرتاب في وعود الله
عز وجل، ويرى أنه يستحق تكريماً لم يمنحه الله إياه، أو يرى أن
مجتمعاتنا اليوم تستأهلالنصر الذي وعد الله به عباده الصالحين،
فإن ارتيابه هذا لدليل على انطماس بصيرته وخمود نور سريرته،
كما يقول ابن عطاء الله.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة السابعة : لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 5:36 am

ـ ومن هذه السنن أيضاً ما يعامل الله به الطغاة الذين
قطعوا آخر خيوط الصلة بمولاهم عز وجل

وإن من هذه السنن والقواعد الإلهية، ما يعامل الله به الطغاة
والعتاة الذين قطعوا آخر خيوط الصلة بخالقهم، وأزهقوا أوهى
الآمال المتبقية بعود حميد إلى الله، من فتح أبواب المتع كلها
أمامهم، وتسخير الدنيا كلها لمطامعهم وأهوائهم، ليزدادوا بذلك
عتواً وسكراً، فيكون العقاب الذي أعدّه الله لهم أشدّ وأقسى!..
فإذا أخذهم الله بعد ذلك، أخذهم أخذ عزيز مقتدر.تأمل في هذه
النصوص القرآنية التي ترسخ هذه السنة الإلهية وتؤكدها:- {
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى
أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة : 2/216 } - {
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي
لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } { الأعراف: 7/182ـ183 } - {
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ } {
إبراهيم: 14/42 } - { وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلَى أُمَمٍ مِنْ
قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا
تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، فَلَمّا نَسُوا ما
ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ } { الأنعام: 6/42 - 44 } وهذه السنة
الإلهية، مع هذه النصوص القرآنية الناطقة بها، هي التفسير لما
قد تراه، ويعجب له كثير من السذج والجاهلين، من تقلب أمم البغي
والضلال، في النعم والمتع التي لا حصر لها. إنها، كما قال الله
تعالى متاع قليل لا دوام له، ثم إنه متاع وإن بدا للناظر
باعثاً على السعادة ناشراً للأمن والسرور، إلا أنه في الواقع
الحقيقي، يحمل في داخله بذور الشقاء والآلام. فإذا حان الميقات
الخفي الذي لا يعلمه إلا الله، تفجرت هذه البذور بالشقاء
والدمار على أولئك الذين كانوا يعكفون منها على متع ولذائذ لا
حصر لها.. ومصداق هذا قول الله عز وجل: { ..حَتَّى إِذا
فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ
مُبْلِسُون } { الأنعام: 6/44 } فإذا جاء اليوم من يقول: نحن
المسلمين يحجب الله عنا وعوده التي التزم لنا بها، وأولئك
الجاحدون العتاة الظالمون يكرمهم الله بما لم يعدهم به من
الأعطيات والانتصارات، فما مردّ قوله هذا إلا إلى انطماس
بصيرته، وإعراضه عن خطاب الله الذي لو تأمل فيه، لعرف قواعده
وسننه التي يتعامل على أساسها مع عباده المؤمنين والجاحدين،
والمهتدين والتائهين.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى