الحكمة الثانية : إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب ............

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكمة الثانية : إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب ............

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:15 pm

الحكمة الثانية

إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ معنى كلمتي: الإقامة في التجريد ـ والإقامة في الأسباب

هذه الحكمة تدور على قطبين اثنين: أحدهما ما يسمونه التجريد،
والآخر ما يسمونه الأسباب.. فما معنى هاتين الكلمتين؟يتعرض
الإنسان لحالتين اثنتين: الأولى أن يجد نفسه متقلباً تحت
سلطان من عالم الأسباب، فأينما تحرك وجد نفسه أمام أسباب لا
مناص له من التعامل معها. فهذه التي تسمى حالة
الأسباب. والثانية أن يجد نفسه معزولاً عن سلطان الأسباب، ليس
له سبيل إليها، إذ تكون بعيدة عن متناوله وعن المناخ الذي
أقامه الله فيه. وتسمى حالة التجرد أو التجريد.فالمطلوب من
المؤمن بالله الساعي إلى تنفيذ أوامره أن ينظر إلى الحالة التي
أقامه الله فيها فيتعامل معه طبق تلك الحالة. أي ما ينبغي أن
يسرع فيستجيب لمزاجه في التعامل مع نظام الأسباب آناً،
والإعراض عنها آناً آخر، دون أن يتبين الحال أو المناخ الذي
أقامه الله فيه. إنه -والحالة هذه- إنما يتعامل مع هواه ومزاجه
وإن كانت الصورة التي يظهرها من نفسه أنه يستجيب لأوامر الله
وأحكامه.تلك هي خلاصة معنى هذه الحكمة. ولكن فلنفصل القول فيها
في ضوء صور من الوقائع التي يتعرض لها كل منا. ولنبدأ بتحليل
الشطر الأول منها «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية».

ـ خلاصة سريعة لمعنى هذه الحكمة، ثم البدء بتحليل الشطر
الأولى منها: من أقامهم الله في عالم الأسباب.

نقول له: عليك قبل كل شيء أن تنظر في الحال أو المناخ الذي
أقامك الله.. لقد أقامك تحت سلطان من عالم الأسباب، وذلك عندما
جعل منك زوجاً لزوجة، وعندما جعل منك أباً لأولاد، وعندما أناط
بعنقك مسؤولية إعالتهم جميعاً. فإذا أعرضتَ عن هذه الحال التي
أقامك الله فيها، لتتخذ هذا الموقف، فاعلم أنك في الظاهر
تمارسالتوحيد، وفي الباطن ترعى هوى نفسك إذ تمتعها بشهوة من
شهواتها الخفية غير المعلنة، متطلعاً إلى أن تتباهى بين الناس
بأنك منصرف عن الدنيا إلى الله وأنك لا تتعامل مع الأسباب بل
مع المسبب.. وهذا غلط كبير وخطير في ميزان الدين وشرعه. والنهج
الصحيح في أوامر الله وحكمه أن تعلم أن الله عز وجل عندما جعل
منك رباً لأسرة فقد حمّلك مسؤولية إعالتها. إنك لا تتعامل في
هذه الحالة مع الله من أجل نفسك بناء على ثقتك الخاصة به في حق
ذاتك وإنما تتعامل معه من أجل أسرتك، زوجك.. أولادك.. وإذا كان
لك أن تزعم بأنك تملك من الثقة بالله في حق نفسك ما يجعلك تعرض
عن الدنيا وتنقطع للعبادة والطاعة، فبأي حق تجرّ زوجك وأولادك
إلى مثل هذه الثقة، وإلى مثل هذا الزهد الذي ارتضيته
لنفسك؟!..قل لهذا الإنسان: إن الله أقامك بين كفتين من ميزان
شرعه، عندما قال لك: { رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { الشعراء: 26/83 } المباشر إلى بابي، وسر
إليه عن طريق ما أقول لك.. انزل إلى السوق، اشتغل، اكدح، تاجر،
ازرع، اسلك السبل التي يفتحها الله عز وجل أمامك.. هذا هو
النهج الذي ألزمك به.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثانية : إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب ............

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:16 pm

ـ يقول بعضهم: لماذا أخضع لسلطان الأسباب؟ إنني مع
المسّبِب!..

ولهذا اللون من الانحراف صور واقعية كثيرة ونماذج شتى. ولنذكر
منها بعض الأمثلة:رجل ذو أسرة وأولاد، يشتغل في السوق ولكنه
عندما يأتي إلى الدار يتجه رأساً إلى الزاوية التي أعدَّها
للعبادة في بيته، دون أن يلتفت يمنة ولا يسرة بعد السلام
التقليدي يلقيه على من حوله.. فيقبل على القرآن يقرؤه، أو يتجه
إلى القبلة يصلّي النوافل والسنن؛ دون أن يباسط زوجته التي
تنتظره، وصغاره الذين من حولها!..أنا لا أتخيل.. أنا أصف
واقعاً.. ما حكم الشرع في هذا العمل؟.. حكمه، هذا الذي يقوله
ابن عطاء الله السكندري.يقول له الشرع: يا هذا لو كنت منفرداً
لا زوجة لك، ولا أولاد ولا أرحام، وكانت دارك كمغارة تدخل
إليها فلا تجد فيها أحداً تُسَلِّم عليه، إذاً لصحّ لك أن تفعل
هذا، لأن الله لم يعلِّق بعنقك مسؤولية أحد، لكن أما وقد أقامك
الله في عالم الأسباب وأخضعك لمسؤوليّاتها عندما جعلك ربّ
أسرة، فقد كلفك بسلسلة أوامر شرعية داخلة في معنى الميزان الذي
ألزمك الله به. استجابتك لهذه الأوامر هي عبادتك،هي قراءتك، هي
تسبيحك وتحميدك وتهليلك.. أن تدخل إلى الدار وقد رسمت البسمة
الحارّة على وجهك.. أن تُسَلِّم على من حولك تسليمة الإنسان
الودود المشتاق إلى أسرته وأولاده، ثم تجلس إليهم تنثر وتنشر
من محبتك بينهم.. تلك هي العبادة التي ألزمك الله بها..
الصورة، صورة دنيا تتعامل بها، وشهوات تمارسها، ولهو تتقلب
فيه.. لكن الواقع الكامن وراء هذه الصورة، عبادة تتقرب بها إلى
الله لأن الله أقامك من هذه الأسرة في عالم الأسباب، ومن ثم
فقد أخضعك لنظامها، ولو قلت: بل سأقفز فوق التعامل مع الأسباب
التي لا حقيقة لها أمام سلطان الله وقدرته، وأتعامل مع المسبب،
فأدعو الله لزوجتي في السجود بأن يكرمها ويدخل السرور إلى
فؤادها ويغنيها عن مجاملاتي ومباسطاتي، إذن فهي قلة أدب منك مع
الله عز وجل!..علمك الله الطريقة التي بها تسعد أهلك، إذ قضى
بأن يثيب الناسَ بعضَهم ببعض. يجعل الزوج من نفسه سكناً لزوجته
بما ينهض به من الوظائف التي كلفه الله بها، وتجعل الزوجة من
نفسها سكناً له، بما تنهض به هي الأخرى من الوظائف التي كلفها
الله بها، فيؤجِر الله عز وجل كلاً منهما بالآخر، ويتحقق
قانونه القائل: { رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ } { إبراهيم:
14/41 } فإذا جاء من يقول: بل أحيل هذه الرعاية إلى الله الذي
بيده كل شيء، وأكفي نفسي مؤنة المشاغل الدنيوية التي تقصيني عن
أورادي وعباداتي، فلا ريب أنه يتلبس من موقفه هذا بنوع سمج من
سوء الأدب مع الله، والتطاول بالنقد على نظامه الذي قضى أن
يأخذ به عباده. ولا شك أن مثل هذا الإنسان محجوب عن الله بشهوة
من شهواته الدنيوية الخفية، من حيث يحسب أنه يسعى إلى الابتعاد
عن الدنيا التي تحجبه عن الله.وقِسْ على مثال رب الأسرة مع
أهله وأولاده، الناس الذين شاء الله أن يقيمهم في عالم الأسباب
عندما وَكَلَ إليهم مسؤولية رعاية الأمة في أي من مستوياتها
المتفاوتة، أو الذين وَكَل إليهم رعاية الدين في مجتمعاتهم
بالتعليم والتثقيف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو
الذين أناط بهم عجلة الاقتصاد أو حمّلهم مسؤولية إحياء موات من
أرض..هؤلاء وأمثالهم، من الذين أقامهم الله في عالم الأسباب،
أي جعل منهم وسائل لمقاصد، إنما تتمثل عبادتهم لله في انقيادهم
لما أقامهم الله فيه، وفي القيام بالمسؤوليات التي أناطها الله
بهم، بعد القيام بالجامع المشترك من العبادات والطاعات التي
خاطب بها الله الناس جميعاً.ومن الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها
كثير من الناس، ما يتصورونه من أن الطاعات والعبادة محصورة في
أعمال محدودة معيّنة، فإذا تجاوزها أحدهم وقع في فلك الدنيا
وشواغلها!..
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثانية : إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب ............

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:16 pm


ـ العمل الصالح يتمثل في أعمال كثيرة شتى.

العمل ناظر للحال التي يمرّ بها الإنسان وللوظيفة التي أقامه
الله عليها. يقول ابن عطاء الله تعبيراً عن هذه الحقيقة في
واحدة من حكمه: «تنوعت الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال» أي
فليس كل عمل صالح صالحاً بالنسبة إلى الناس كلهم. بل يتوقف
الحكم بصلاحه أو عدم صلاحه على الحال التي يمرّ بها صاحب
الفعل، وعلى الوظائف والمهام التي أقامه الله عليها.فالعمل
الصالح بالنسبة لمن قضى الله له بالانقطاع عن العلاقات
الاجتماعية، والابتعاد عن مسؤوليات الأسرة، يتمثل في طاعات
وعبادات شخصية تعود بالفائدة إلى ذاته وشخصه هو، أما العمل
الصالح بالنسبة لمن قضى الله له بأن يتحمل إحدى المهام
السياسية أو الاجتماعية فيتمثل في خدمة أمته من خلال قيامه
أصدق قيام بالوظيفة التي أنيطت به، والعمل الصالح في حق من
وُكِلَتْ إليه حراسة ثغر أو ردّ لغائلة عدوان، هو الإخلاص
بالقيام بما قد وُكِل إليه، وهكذا.. على أن لا ننسى أن هناك
قدراً مشتركاً من الطاعات الواجبة يشترك في ضرورة النهوض بها
كل الفئات على اختلاف أحوالهم وأعمالهم، كالصلوات المكتوبة
والصيام والقدر الأساسي من النسك والأوراد والأذكار.فهذا هو
معنى الشطر الأول من حكمة ابن عطاء الله الثانية، والتي نحن
بصدد شرحها. وهو «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية». «وإرادتك الأسباب مع إقامة الله
إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية».
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثانية : إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب ............

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:17 pm


ـ الانتقال إلى شرح الشطر الثاني من هذه الحكمة: من
أقامهم الله في عالم التجريد.

المثال الأول: مجموعة من الناس توجهوا حجاجاً إلى بيت الله
الحرام. أما البعض منهم فمتحررون من سائر القيود والتبعات
والمسؤوليات، متفرغون لأداء هذه الشعيرة، مقبلون إلى مزيد من
العبادات والقربات. وأما بعض منهم فأطباء أنيطت بهم مسؤولية
الرعاية الجسمية للحجيج ومعالجة من يتعرضون منهم للآلام أو
الأسقام، أو متعهدون أنيطت بهم مسؤولية توفير عوامل الراحة
والحاجات التي لا بدّ منها لهم.

أما الطائفة الأولى فهي
تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه ابن عطاء الله حال التجرد
أو التجريد، فالمطلوب منها أن تقبل إلى ما قد فرغها الله له من
كثرة العبادات والقربات والأذكار والاستزادة من النوافل.

وأما
الطائفة الثانية ، فهي تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه
ابن عطاء الله مرحلة الإقامة في الأسباب. فالمطلوب من أفراد
هذه الطائفة التعامل مع الأسباب التي أقامهم الله فيها وألزمهم
بها. فالطبيب منهم مكلف برعاية الكتلة التي كلف بالسهر على
صحتها ومعالجة المرضى وأولي الأسقام فيها. ومتعهدو الخدمات
الأخرى مكلفون بالقيام بما قد تعهدوا به على خير وجه.

فلو أن
أحدهم تناسى المسؤولية التي أنيطت به، إذ أقامه الله سبباً
لإحدى الخدمات الكثيرة للحجيج، وأمضى أوقاته كلها أو جلّها في
البيت الحرام طائفاً ساعياً راكعاً ساجداً يتلو القرآن ويكرر
الأذكار والأوراد، مهملاً سببيته التي أقامه الله عليها في
خدمة المحتاجين وتطبيب المرضى، فهو مفتئت على شرع الله عابث
بنظام هديه، ذلك لأن الله أقامه من الوضع الذي هو فيه، في عالم
الأسباب، فتجاهله

تناساه مصطنعاً لنفسه حالة التجرد التي هو،
بحكم الشرع الإسلامي، بعيد عنها.

وكم في الناس من يتورط في
هذا العبث، لدى توجههم حجاجاً إلى بيت الله الحرام، يتعاملون
مع عناوين الإسلام وألفاظه المضيئة، ويتجاهلون مضامينه ومبادئه
الإنسانية القويمة!!..

المثال الثاني: شاب قال له والده:
سأقدم لك كل ما تحتاج إليه من أسباب المعيشة على اختلافها، ولن
أكلفك بأي نفقة مما تريد أن تعود به إلى نفسك، على أن تتفرغ
لدراسة كتاب الله وتعلم شريعته. إذن فقد أقام الله هذا الإنسان
في مناخ التجريد بمقتضى ميزان الشرع وحكمه، والمطلوب منه إذن
أن يتعامل مع هذا الذي أقامه الله فيه، فينصرف إلى دراسة كتاب
الله وتعلم شرعه والتفقه في دينه.

ولا يقال لمثل هذا الإنسان:
إن الشرع يأمرك بالتسبب للرزق وينهى عن الركون إلى البطالة..
ذلك لأن الذي يأمره الشرع بأن يغدو إلى السوق فيبحث عن مصدر
لرزقه، هو الذي ليس له من يتكفل برزقه واحتياجاته، كوالد
ونحوه. أما من قيض الله له متكفلاً لاحتياجاته، كهذا الإنسان
فلا يخاطب من قبل الشارع بهذا الأمر، ولأن الشرع يأمر بالتسبب
للرزق كي لا يجنح الإنسان عن ذلك إلى البطالة. أما هذا فلم
يركن إلى البطالة، بل تحول من السعي في سبيل الرزق الذي تكفل
له به والده إلى السعي من أجل معرفة الشرع والتفقه في الدين.
وقد قال رسول الله : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»
رواه_البخاري_ومسلم،_وأحمد،_من_حديث_معاوية_وحديث_عب د_الله_بن_
عباس_ورواه_ابن_ماجه_من_حديث_أبي_هريرة. .

وينطبق هذا المثال
عليّ في أول عهدي بالدراسة، فقد صرفني والدي عما كان من
المفروض أن أتجه إليه كسائر أندادي، من البحث عن وسائل الرزق
وجمع المال، وألزم نفسه بكل احتياجاتي المالية والدنيوية، وقال
لي - ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر بعد -: لو علمت أن الطريق
إلى الله يكمن في كسح القمامة لجعلت منك زبالاً، ولكني نظرت
فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله إنما يكون في دراسة دينه
وتعلم شرعه، فاسلك إذن هذا الطريق.

وهكذا فقد وضعني الله
تعالى من قرار والدي والتزامه، في حالة التجريد بمقتضى الشرع
وحكمه.

وقد أقبل إليّ جمع من الرفاق آنذاك، يدعونني إلى السير
معهم في طريق الكدح والكفاح من أجل الرزق وجمع المال،
ويحذرونني من أن الاسترسال في النهج الذي دفعني والدي إليه،
سيجعلني عالة على المجتمع، ويزجني في طريق الاستجداء!..

ولكن
الله سلّم ولطف.. فصبرت على النهج الذي سلكني فيه والدي بعد أن
التزم بكل احتياجاتي، وأعرضت عن التحذير والإغراءات اللذين
لاحقني بهما الرفاق.. فهل كنت بذلك متنكباً عن الشرع أم مطبقاً
لحكم الشرع؟.. لم أكن أدري أي جواب عن هذا السؤال آنذاك، ولكني
كنت أعلم أنني أنقاد لأمر والدي وتوجهه، وهذا ما يأمر به
الله.

أما اليوم فأنا على يقين بأنني بالإضافة إلى الاستجابة
لأمر والدي، كنت منسجماً في تلك الاستجابة لشرع الله وحكمه.
وهيهات أن

يرضى والدي بهذا الذي اختاره لي ووجهني إليه، لو
علم أنه مخالف لشرع الله عز وجل.

ولا شك أنني لم أتعرض لشيء
من المخاوف التي حذرني منها بعض الرفاق، بل الذي تعرضت له
وانتهيت إليه هو نقيض تلك المخاوف.. سلسلة من المكرمات الإلهية
والمنح الربانية لاحقتني من حيث لا أحتسب، وغمرني الله منها
بنعم ومنن لا تحصى.

المثال الثالث: رجل أقامه الله من
عمله الدنيوي في حانوت أو محل تجاري، يكدح فيه من أجل الرزق
يعود به إلى أسرته التي جعله الله مسؤولاً عنها. وهو يعلم أنه
إن تعهد متجره هذا كل يوم من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء،
فلسوف يكرمه الله برزق وفير ونعمة كافية. إذن فالشرع يقول
له:

إن الله قد أقامك من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء في
عالم الأسباب، وإنما واجبك التعامل والانسجام معه خلال هذه
المدة من كل يوم. وأقامك فيما قبل ذلك من الصباح وما بعد ذلك
من المساء في عالم التجريد، وإنما واجبك خلال هاتين الحاشيتين
من عملك اليومي، أن تتعامل مع مقتضى هذا التجرد الذي أقامك
الله فيه، فتقبل إلى معارفك الإسلامية تنميها وتتعهدها، وتقبل
إلى الطاعات والعبادات والقربات تستزيد منها.

إذن فميزان
الشرع هو الذي يرسم حدود الزمن الذي يخضع فيه هذا التاجر لعالم
الأسباب، وحدود الزمن الذي يخضع فيه لعالم

التجريد. والمطلوب
منه أن يتبين هذه الحدود ولا يفتئت على أي من المناخين أو
الزمانين لمراعاة الآخر.

وإني لأذكر عهداً مضى، كان أكثر
الذين يَصْفِقُونَ في الأسواق من تجار هذه البلدة، يطبقون هذه
الحكمة التي يقولها ابن عطاء الله، بل يقضي بها الشرع والدين،
كأدق ما يكون التطبيق، ولأضرب مثلاً بسوق مدحت باشا الذي كان
الملتقى الأول لكبار تجار دمشق.

لم يكن هذا السوق يستيقظ
للحركة التجارية قبل العاشرة صباحاً، ولم يكن يستمر إلاّ إلى
ما قبل أذان المغرب بساعة.

في هذه الساعات من النهار كان
السوق يشهد نشاطاً تجارياً عالياً.. فإذا دنت ساعة الغروب،
أظلم السوق، وأغلقت الحوانيت، وغابت عنه الحركة ودبت فيه
الوحشة، وتحول أقطاب تلك السوق من التجار وأرباب المال ورجال
الأعمال، إلى طلاب لعلوم الشريعة تتوازعهم المساجد أو بيوت
العلماء. وقد تأبط كل منهم كتابه في الفقه أو التفسير أو
العقيدة، معرضاً عن مشكلات التجارة والمال، متجهاً باهتمام
ودقة إلى دراسة أكثر من علم من علوم الإسلام.

فإذا أقبل
الصباح بدأ كل منهم نهاره طالب علم مرة أخرى، وحضر عدة دروس
متتابعة أخرى على أحد الشيوخ الأجلاء في ذلك العصر. ثم عاد كل
منهم إلى داره يباسط أهله وأولاده ويتناول إفطار الصباح معهم،
ويأخذ قسطه اللازم من الراحة، ليعود في العاشرة تقريباً إلى
سوقه التجارية.

إذن، فقد كانت ساعات الليل والنهار في حياة
أولئك التجار، مقسومة ما بين عالم التجرد وعالم الأسباب.
وكانوا يعطون كل منهما حقه كاملاً غير منقوص. فلم يكن يطغى
جانب منهما على جانب.

ولعلّ القارئ الكريم يتبيّن من كلامي
هذا صورة غريبة عن واقع أكثر التجار ورجال الأعمال اليوم، أجل،
هي فعلاً صورة غريبة، فلقد خلف من بعد أولئك الرجال خلْفٌ
أغرقوا أنفسهم في حمأة الدنيا واستسلموا بشكل كلي ودائميّ
لعالم الأسباب، غدوّهم ورواحهم حركة دائبة وراء التجارة
والمال، ولياليهم وسهراتهم مناقشات ومشاورات حول مشكلات
التجارة وعثراتها وسبل التغلب عليها، فإن فاض لديهم عن ذلك
وقت، صرفوه إلى الحفلات والمآدب وسهرات الأنس الدنيوي ومتاعب
القيل والقال!.. والله هو المأمول والمستعان أن يجذبهم بتوفيق
منه إلى ما كان عليه سلفهم قبل أربعين عاماً لا أكثر، من تقسيم
أوقاتهم بين عالمي التجريد والأسباب على النحو الذي وصفت والذي
لا تزال ذكراه الفواحة العطرة ماثلة في أخيلة الشيوخ بل الكهول
من أهل هذه البلدة.

مثال رابع: رجل اتجه إلى إحدى الولايات
الأمريكية بقصد الدراسة. ولما انتهى من الدراسة طمع بالمال
الوفير، والحياة الرغيدة، فاستمرأ مع زوجته وأولاده العيش
هناك، واستجاب لمغريات الوظائف ذات المردود المالي الكبير،
ومرت عليه السنوات سعيداً مبتهجاً بعيشه الدنيوي هناك.. أي إنه
استجاب لمتطلبات الأسباب القائمة من حوله.

ترى أهو في ميزان
الشرع وحكمه قائم في عالم التجريد أم في عالم الأسباب؟.. إن
الواقع الذي يواجه هذا الرجل وأهله، هو الذي يحدد
الجواب.

وإذا عدنا نتأمل الواقع الذي يتقلب هذا الرجل مع أهله
في غماره، نجد أن أولاده ينشَّؤون هناك تنشئة أمريكية تامة،
ربما كان الأبوان مشدودين إلى ماضيهما الإسلامي الملتزم، غير
أن من الواضح جداً أن الأولاد مشدودون إلى التيار الأمريكي
المتجرد عن أي التزام، كما قد لاحظت لدى زيارتي الأولى
للولايات المتحدة واحتكاكي بكثير من الأسر الإسلامية
هناك.

إذن فشرع الله يقول لهذا الرجل: ويحك إن الأسباب التي
تتعامل معها هنا، غير معترف بها في هدي الله وحكمه؛ فأنت إنما
تتقلب هنا في عالم التجريد، وأسبابك الشرعية التي تدعوك
للتعامل معها، ليست هذه التي تركن إليها هنا، بل هي تلك التي
تنتظرك في بلدك الإسلامي هناك.

وآية ذلك أولادك الذين يبتعدون
عن نهجك وبقايا التزاماتك رويداً رويداً، متجهين سراعاً إلى
الأفكار والحياة غيرالإسلامية، متعاملين بشغف مع تقاليد الحياة
الأمريكية وفلسفتها.

ومثل هذا الرجل لا بدَّ أن تصكّ أذنه ثم
تسري بالتأثير إلى قلبه حكمة ابن عطاء الله: «.. وإرادتك
الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة
العلية» إن كانت لديه بقايا من جذوة الإيمان وهديه.

والطريقة
الوحيدة لتنفيذه مقتضى هذه الحكمة، هي أن يرحل إلى عالم
الأسباب الشرعية التي تنتظره في بلدته الإسلامية التي رحل منها
لسبب الدراسة، ثم استمرأ العيش هناك للأسباب المعيشية التي كنت
قد ذكرتها.

فإن قال الرجل: ولكني لن أعثر في بلدي على شيء من
هذه الأسباب التي تتاح لي هنا، والتي غمرتني بكل ألوان الرخاء،
أجبناه بأن قرار الله تعالى يقضي بأن تضحي بأسباب رزقك من أجل
سلامة دينك، لا بأن تضحي بسلامة دينك من أجل الحصول على أسباب
رزقك.

على أن الله أكرم من أن يتركك لعواقب الحرمان، إن أنت
آثرت المحافظة على أوامره والالتزام بشرعه، على حظوظك المالية
والدنيوية. ألم تقرأ قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ
فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا
وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { يوسف: 12/101 }

ودعني أحدثك بقصة شاب كان
يغشى دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار بدمشق، كانت
أسباب الدنيا مدبرة عنه وكان يتقلّب من ذلك في حالة شديدة من
الضنك، أي فكان يمرّ بهذا الذي يســـميه ابن عطاء الله حـــال
التجريد.. وزيادةً في الابتلاء من الله عز وجل، كانت تواجهه
فرص سانحة، الواحدة منها تلو الأخرى، لمزاولة أعمال من شأنها
أن تفيده برزق وفير، غير أنها لم تكن أعمالاً

مقبولة في ميزان
الشرع. فكان كلما لاحت له منها فرصة جاء يسألني عن حكم الشرع
في التعامل مع تلك الفرصة. ولقد كنت أقف من استفتائه بين
الإشفاق الشديد على حاله من الضنك الذي يعانيه، وبين ضرورة
الأمانة مع أوامر الله وأحكامه.. ولكن صدقه مع الله كان يشجعني
على أن أقول له: إنك تستشيرني والمستشار مؤتمن، فلا يجوز أن
أخونك من حيث أخون دينك الذي أراه غالياً عليك، إن هذا العمل
الذي عرض عليك غير شرعي.. فكان يعرض عن تلك الفرصة السانحة
ويواصل الصبر على بؤسه وفقره.

وتمرّ به بعد حين فرصة أخرى،
ويعود فيسألني عن حكم الشرع فيها، وأنظر فأراها هي الأخرى
ملغومة ومحرمة، فأعيد له الجواب ذاته، ويعود هو إلى الصبر
ذاته، راضياً بحالة التجريد التي أقامه الله فيها بمقتضى ميزان
شرعه.

فماذا كانت عاقبة صبره على تلك الحال؟

فتح الله أمامه
نافذة إلى سبب نقي طاهر لرزق وافر كريم، من حيث لا يحتسب،
انتقل بحكم ذلك إلى المدينة المنورة، وتزوج، ورزقه الله
الأولاد وعاد فاشترى بيتاً فسيحاً في مسقط رأسه دمشق، ومن خلال
تعامله الشرعي مع الأسباب أصبح يتردد بين مركز عمله في
المدينة، وموطنه وملتقى أهله في دمشق.

استسلم للتجريد طوال
المدة التي ابتلاه الله بها، ثم تقبل كرم الله له، عندما نقله
من خلال شرعه إلى عالم التعامل مع الأسباب.

* * *

ألا،
فلنعاهد الله أن يكون سلوكنا خاضعاً لقانون هذه الحكمة
الربانية التي اعتصرها لنا ابن عطاء الله من بيان الله وهدي
نبيه: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من
الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية».
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثانية : إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب ............

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:18 pm

ـ عرض طائفة من التطبيقات المبصّرة بهذا القانون الشرعي
الهام.

المثال الأول: مجموعة من الناس توجهوا حجاجاً إلى بيت الله
الحرام. أما البعض منهم فمتحررون من سائر القيود والتبعات
والمسؤوليات، متفرغون لأداء هذه الشعيرة، مقبلون إلى مزيد من
العبادات والقربات. وأما بعض منهم فأطباء أنيطت بهم مسؤولية
الرعاية الجسمية للحجيج ومعالجة من يتعرضون منهم للآلام أو
الأسقام، أو متعهدون أنيطت بهم مسؤولية توفير عوامل الراحة
والحاجات التي لا بدّ منها لهم.أما الطائفة الأولى فهي تمرّ
من الوضع الذي هي فيه بما سماه ابن عطاء الله حال التجرد أو
التجريد، فالمطلوب منها أن تقبل إلى ما قد فرغها الله له من
كثرة العبادات والقربات والأذكار والاستزادة من النوافل.وأما
الطائفة الثانية ، فهي تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه
ابن عطاء الله مرحلة الإقامة في الأسباب. فالمطلوب من أفراد
هذه الطائفة التعامل مع الأسباب التي أقامهم الله فيها وألزمهم
بها. فالطبيب منهم مكلف برعاية الكتلة التي كلف بالسهر على
صحتها ومعالجة المرضى وأولي الأسقام فيها. ومتعهدو الخدمات
الأخرى مكلفون بالقيام بما قد تعهدوا به على خير وجه.فلو أن
أحدهم تناسى المسؤولية التي أنيطت به، إذ أقامه الله سبباً
لإحدى الخدمات الكثيرة للحجيج، وأمضى أوقاته كلها أو جلّها في
البيت الحرام طائفاً ساعياً راكعاً ساجداً يتلو القرآن ويكرر
الأذكار والأوراد، مهملاً سببيته التي أقامه الله عليها في
خدمة المحتاجين وتطبيب المرضى، فهو مفتئت على شرع الله عابث
بنظام هديه، ذلك لأن الله أقامه من الوضع الذي هو فيه، في عالم
الأسباب، فتجاهلهتناساه مصطنعاً لنفسه حالة التجرد التي هو،
بحكم الشرع الإسلامي، بعيد عنها.وكم في الناس من يتورط في هذا
العبث، لدى توجههم حجاجاً إلى بيت الله الحرام، يتعاملون مع
عناوين الإسلام وألفاظه المضيئة، ويتجاهلون مضامينه ومبادئه
الإنسانية القويمة!!.. المثال الثاني: شاب قال له والده:
سأقدم لك كل ما تحتاج إليه من أسباب المعيشة على اختلافها، ولن
أكلفك بأي نفقة مما تريد أن تعود به إلى نفسك، على أن تتفرغ
لدراسة كتاب الله وتعلم شريعته. إذن فقد أقام الله هذا الإنسان
في مناخ التجريد بمقتضى ميزان الشرع وحكمه، والمطلوب منه إذن
أن يتعامل مع هذا الذي أقامه الله فيه، فينصرف إلى دراسة كتاب
الله وتعلم شرعه والتفقه في دينه.ولا يقال لمثل هذا الإنسان:
إن الشرع يأمرك بالتسبب للرزق وينهى عن الركون إلى البطالة..
ذلك لأن الذي يأمره الشرع بأن يغدو إلى السوق فيبحث عن مصدر
لرزقه، هو الذي ليس له من يتكفل برزقه واحتياجاته، كوالد
ونحوه. أما من قيض الله له متكفلاً لاحتياجاته، كهذا الإنسان
فلا يخاطب من قبل الشارع بهذا الأمر، ولأن الشرع يأمر بالتسبب
للرزق كي لا يجنح الإنسان عن ذلك إلى البطالة. أما هذا فلم
يركن إلى البطالة، بل تحول من السعي في سبيل الرزق الذي تكفل
له به والده إلى السعي من أجل معرفة الشرع والتفقه في الدين.
وقد قال رسول الله : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»
رواه_البخاري_ومسلم،_وأحمد،_من_حديث_معاوية_وحديث_عب د_الله_بن_
عباس_ورواه_ابن_ماجه_من_حديث_أبي_هريرة. .وينطبق هذا المثال
عليّ في أول عهدي بالدراسة، فقد صرفني والدي عما كان من
المفروض أن أتجه إليه كسائر أندادي، من البحث عن وسائل الرزق
وجمع المال، وألزم نفسه بكل احتياجاتي المالية والدنيوية، وقال
لي - ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر بعد -: لو علمت أن الطريق
إلى الله يكمن في كسح القمامة لجعلت منك زبالاً، ولكني نظرت
فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله إنما يكون في دراسة دينه
وتعلم شرعه، فاسلك إذن هذا الطريق.وهكذا فقد وضعني الله تعالى
من قرار والدي والتزامه، في حالة التجريد بمقتضى الشرع
وحكمه.وقد أقبل إليّ جمع من الرفاق آنذاك، يدعونني إلى السير
معهم في طريق الكدح والكفاح من أجل الرزق وجمع المال،
ويحذرونني من أن الاسترسال في النهج الذي دفعني والدي إليه،
سيجعلني عالة على المجتمع، ويزجني في طريق الاستجداء!..ولكن
الله سلّم ولطف.. فصبرت على النهج الذي سلكني فيه والدي بعد أن
التزم بكل احتياجاتي، وأعرضت عن التحذير والإغراءات اللذين
لاحقني بهما الرفاق.. فهل كنت بذلك متنكباً عن الشرع أم مطبقاً
لحكم الشرع؟.. لم أكن أدري أي جواب عن هذا السؤال آنذاك، ولكني
كنت أعلم أنني أنقاد لأمر والدي وتوجهه، وهذا ما يأمر به
الله.أما اليوم فأنا على يقين بأنني بالإضافة إلى الاستجابة
لأمر والدي، كنت منسجماً في تلك الاستجابة لشرع الله وحكمه.
وهيهات أنيرضى والدي بهذا الذي اختاره لي ووجهني إليه، لو علم
أنه مخالف لشرع الله عز وجل.ولا شك أنني لم أتعرض لشيء من
المخاوف التي حذرني منها بعض الرفاق، بل الذي تعرضت له وانتهيت
إليه هو نقيض تلك المخاوف.. سلسلة من المكرمات الإلهية والمنح
الربانية لاحقتني من حيث لا أحتسب، وغمرني الله منها بنعم ومنن
لا تحصى. المثال الثالث: رجل أقامه الله من عمله الدنيوي
في حانوت أو محل تجاري، يكدح فيه من أجل الرزق يعود به إلى
أسرته التي جعله الله مسؤولاً عنها. وهو يعلم أنه إن تعهد
متجره هذا كل يوم من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء، فلسوف
يكرمه الله برزق وفير ونعمة كافية. إذن فالشرع يقول له:إن الله
قد أقامك من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء في عالم الأسباب،
وإنما واجبك التعامل والانسجام معه خلال هذه المدة من كل يوم.
وأقامك فيما قبل ذلك من الصباح وما بعد ذلك من المساء في عالم
التجريد، وإنما واجبك خلال هاتين الحاشيتين من عملك اليومي، أن
تتعامل مع مقتضى هذا التجرد الذي أقامك الله فيه، فتقبل إلى
معارفك الإسلامية تنميها وتتعهدها، وتقبل إلى الطاعات
والعبادات والقربات تستزيد منها.إذن فميزان الشرع هو الذي يرسم
حدود الزمن الذي يخضع فيه هذا التاجر لعالم الأسباب، وحدود
الزمن الذي يخضع فيه لعالمالتجريد. والمطلوب منه أن يتبين هذه
الحدود ولا يفتئت على أي من المناخين أو الزمانين لمراعاة
الآخر.وإني لأذكر عهداً مضى، كان أكثر الذين يَصْفِقُونَ في
الأسواق من تجار هذه البلدة، يطبقون هذه الحكمة التي يقولها
ابن عطاء الله، بل يقضي بها الشرع والدين، كأدق ما يكون
التطبيق، ولأضرب مثلاً بسوق مدحت باشا الذي كان الملتقى الأول
لكبار تجار دمشق.لم يكن هذا السوق يستيقظ للحركة التجارية قبل
العاشرة صباحاً، ولم يكن يستمر إلاّ إلى ما قبل أذان المغرب
بساعة.في هذه الساعات من النهار كان السوق يشهد نشاطاً تجارياً
عالياً.. فإذا دنت ساعة الغروب، أظلم السوق، وأغلقت الحوانيت،
وغابت عنه الحركة ودبت فيه الوحشة، وتحول أقطاب تلك السوق من
التجار وأرباب المال ورجال الأعمال، إلى طلاب لعلوم الشريعة
تتوازعهم المساجد أو بيوت العلماء. وقد تأبط كل منهم كتابه في
الفقه أو التفسير أو العقيدة، معرضاً عن مشكلات التجارة
والمال، متجهاً باهتمام ودقة إلى دراسة أكثر من علم من علوم
الإسلام.فإذا أقبل الصباح بدأ كل منهم نهاره طالب علم مرة
أخرى، وحضر عدة دروس متتابعة أخرى على أحد الشيوخ الأجلاء في
ذلك العصر. ثم عاد كل منهم إلى داره يباسط أهله وأولاده
ويتناول إفطار الصباح معهم، ويأخذ قسطه اللازم من الراحة،
ليعود في العاشرة تقريباً إلى سوقه التجارية.إذن، فقد كانت
ساعات الليل والنهار في حياة أولئك التجار، مقسومة ما بين عالم
التجرد وعالم الأسباب. وكانوا يعطون كل منهما حقه كاملاً غير
منقوص. فلم يكن يطغى جانب منهما على جانب.ولعلّ القارئ الكريم
يتبيّن من كلامي هذا صورة غريبة عن واقع أكثر التجار ورجال
الأعمال اليوم، أجل، هي فعلاً صورة غريبة، فلقد خلف من بعد
أولئك الرجال خلْفٌ أغرقوا أنفسهم في حمأة الدنيا واستسلموا
بشكل كلي ودائميّ لعالم الأسباب، غدوّهم ورواحهم حركة دائبة
وراء التجارة والمال، ولياليهم وسهراتهم مناقشات ومشاورات حول
مشكلات التجارة وعثراتها وسبل التغلب عليها، فإن فاض لديهم عن
ذلك وقت، صرفوه إلى الحفلات والمآدب وسهرات الأنس الدنيوي
ومتاعب القيل والقال!.. والله هو المأمول والمستعان أن يجذبهم
بتوفيق منه إلى ما كان عليه سلفهم قبل أربعين عاماً لا أكثر،
من تقسيم أوقاتهم بين عالمي التجريد والأسباب على النحو الذي
وصفت والذي لا تزال ذكراه الفواحة العطرة ماثلة في أخيلة
الشيوخ بل الكهول من أهل هذه البلدة. مثال رابع: رجل اتجه إلى
إحدى الولايات الأمريكية بقصد الدراسة. ولما انتهى من الدراسة
طمع بالمال الوفير، والحياة الرغيدة، فاستمرأ مع زوجته وأولاده
العيش هناك، واستجاب لمغريات الوظائف ذات المردود المالي
الكبير، ومرت عليه السنوات سعيداً مبتهجاً بعيشه الدنيوي
هناك.. أي إنه استجاب لمتطلبات الأسباب القائمة من حوله.ترى
أهو في ميزان الشرع وحكمه قائم في عالم التجريد أم في عالم
الأسباب؟.. إن الواقع الذي يواجه هذا الرجل وأهله، هو الذي
يحدد الجواب.وإذا عدنا نتأمل الواقع الذي يتقلب هذا الرجل مع
أهله في غماره، نجد أن أولاده ينشَّؤون هناك تنشئة أمريكية
تامة، ربما كان الأبوان مشدودين إلى ماضيهما الإسلامي الملتزم،
غير أن من الواضح جداً أن الأولاد مشدودون إلى التيار الأمريكي
المتجرد عن أي التزام، كما قد لاحظت لدى زيارتي الأولى
للولايات المتحدة واحتكاكي بكثير من الأسر الإسلامية هناك.إذن
فشرع الله يقول لهذا الرجل: ويحك إن الأسباب التي تتعامل معها
هنا، غير معترف بها في هدي الله وحكمه؛ فأنت إنما تتقلب هنا في
عالم التجريد، وأسبابك الشرعية التي تدعوك للتعامل معها، ليست
هذه التي تركن إليها هنا، بل هي تلك التي تنتظرك في بلدك
الإسلامي هناك.وآية ذلك أولادك الذين يبتعدون عن نهجك وبقايا
التزاماتك رويداً رويداً، متجهين سراعاً إلى الأفكار والحياة
غيرالإسلامية، متعاملين بشغف مع تقاليد الحياة الأمريكية
وفلسفتها.ومثل هذا الرجل لا بدَّ أن تصكّ أذنه ثم تسري
بالتأثير إلى قلبه حكمة ابن عطاء الله: «.. وإرادتك الأسباب
مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية» إن
كانت لديه بقايا من جذوة الإيمان وهديه.والطريقة الوحيدة
لتنفيذه مقتضى هذه الحكمة، هي أن يرحل إلى عالم الأسباب
الشرعية التي تنتظره في بلدته الإسلامية التي رحل منها لسبب
الدراسة، ثم استمرأ العيش هناك للأسباب المعيشية التي كنت قد
ذكرتها.فإن قال الرجل: ولكني لن أعثر في بلدي على شيء من هذه
الأسباب التي تتاح لي هنا، والتي غمرتني بكل ألوان الرخاء،
أجبناه بأن قرار الله تعالى يقضي بأن تضحي بأسباب رزقك من أجل
سلامة دينك، لا بأن تضحي بسلامة دينك من أجل الحصول على أسباب
رزقك.على أن الله أكرم من أن يتركك لعواقب الحرمان، إن أنت
آثرت المحافظة على أوامره والالتزام بشرعه، على حظوظك المالية
والدنيوية. ألم تقرأ قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ
فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا
وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { يوسف: 12/101 } ودعني أحدثك بقصة شاب كان
يغشى دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار بدمشق، كانت
أسباب الدنيا مدبرة عنه وكان يتقلّب من ذلك في حالة شديدة من
الضنك، أي فكان يمرّ بهذا الذي يســـميه ابن عطاء الله حـــال
التجريد.. وزيادةً في الابتلاء من الله عز وجل، كانت تواجهه
فرص سانحة، الواحدة منها تلو الأخرى، لمزاولة أعمال من شأنها
أن تفيده برزق وفير، غير أنها لم تكن أعمالاًمقبولة في ميزان
الشرع. فكان كلما لاحت له منها فرصة جاء يسألني عن حكم الشرع
في التعامل مع تلك الفرصة. ولقد كنت أقف من استفتائه بين
الإشفاق الشديد على حاله من الضنك الذي يعانيه، وبين ضرورة
الأمانة مع أوامر الله وأحكامه.. ولكن صدقه مع الله كان يشجعني
على أن أقول له: إنك تستشيرني والمستشار مؤتمن، فلا يجوز أن
أخونك من حيث أخون دينك الذي أراه غالياً عليك، إن هذا العمل
الذي عرض عليك غير شرعي.. فكان يعرض عن تلك الفرصة السانحة
ويواصل الصبر على بؤسه وفقره.وتمرّ به بعد حين فرصة أخرى،
ويعود فيسألني عن حكم الشرع فيها، وأنظر فأراها هي الأخرى
ملغومة ومحرمة، فأعيد له الجواب ذاته، ويعود هو إلى الصبر
ذاته، راضياً بحالة التجريد التي أقامه الله فيها بمقتضى ميزان
شرعه. فماذا كانت عاقبة صبره على تلك الحال؟فتح الله أمامه
نافذة إلى سبب نقي طاهر لرزق وافر كريم، من حيث لا يحتسب،
انتقل بحكم ذلك إلى المدينة المنورة، وتزوج، ورزقه الله
الأولاد وعاد فاشترى بيتاً فسيحاً في مسقط رأسه دمشق، ومن خلال
تعامله الشرعي مع الأسباب أصبح يتردد بين مركز عمله في
المدينة، وموطنه وملتقى أهله في دمشق.استسلم للتجريد طوال
المدة التي ابتلاه الله بها، ثم تقبل كرم الله له، عندما نقله
من خلال شرعه إلى عالم التعامل مع الأسباب. * * * ألا، فلنعاهد
الله أن يكون سلوكنا خاضعاً لقانون هذه الحكمة الربانية التي
اعتصرها لنا ابن عطاء الله من بيان الله وهدي نبيه: «إرادتك
التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية،
وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن
الهمة العلية».
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى