الحكمة الخامسة عشرة : مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس موجوداً معه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكمة الخامسة عشرة : مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس موجوداً معه

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 8:48 am

الحكمة الخامسة عشرة


مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس
موجوداً معه

ـ مقدمة بين يدي شرح هذه الحكمة بمثال مادي

دعنا نبدأ بمقدمة بين يدي شرح هذه الحكمة:عندما تكون أثناء
الليل في غرفة مستنيرة بمصباح في داخلها، تَرى النور سارياً
منه إلى كل جهات الغرفة وزواياها، يحيل ظلامها إلى نور
متألق.لكن افرض أنك عمدت إلى جرم كثيف مّا كقطعة قماش أو لوح
أو نحو ذلك ووضعته بينك وبين المصباح فإن الذي يحدث هو أن نور
المصباح ينفصل عنك وأن ظلاماً جزئياً يمتد بينك وبينه.. ذلك
لأن الجرم الأجنبي حال بينك وبين المصباح إذ أصبح الجرم أقرب
إليك منه. ومن ثم يغيب عنك ضياء المصباح وتنقطع أشعته السارية
إليك.ومعنى وصفنا له بأنه جرم أجنبي، أن له طبيعة مخالفة
لطبيعة المصباح، إذ المصباح مضيء والجرم الذي أسدل عليه لا
ضياء فيه، ومن جراء هذا التناقض يغيب عنك الضياء ويعود فيتغلب
الظلام الذي كان هو السائد من قبل. من المعلوم أن هذه حقيقة
بدهية لا تحتاج إلى دليل أو شرح. ولكن علاقة المكونات بالنور
الرباني الذي يتجلّى على ظواهرها أو الذي يتغلغل في دخائلها
يختلف اختلافاً كلياً عن هذا المثال الذي ذكرناه.المكونات كلها
مضمخة بالنور الساري إليها من عند الله سبحانه وتعالى بل إن
نور الله عز وجل سار إلى دخائلها وجزيئاتها كما قلنا ذلك من
قبل.ذلك لأن قوام الأشياء كلها بالله عز وجل أي إن نوراً
ربانياً يسري إلى المكونات فتنهض بمهامها ووظائفها التي وكلت
إليها. وقد فصلنا القول في بيان ذلك في الحكمة السابقة.إذن فكل
شيء من المكونات، صغر أو كبر، عاكف على وظيفته التي كلف بها،
بسرّ من النور الإلهي الهابط إليه والساري في أعماقه. وهذا
معنى قوله عز وجل: { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ
وَتَسْبِيحَهُ } { النور: 24/41 }


ـ إذا كان كل شيء منوراً بنور الله، فما الذي يحجبك إذن
عنه؟..

فإذا عرفنا أن كل شيء في هذا الكون منور بنور الله فما الذي
يحجبك إذن عنه؟لقد استوعبنا مثال المصباح لأننا جئنا بجرم
مناقض لنور المصباح وأسدلناه عليه فعاد المكان مظلماً. لكن ما
هو هذا الجرم الذي لم يستضئ بنور الله، ولم تتغلغل فيه أسرار
من نوره عز وجل، حتى يصلح أن يكون مناقضاً لنوره، فيصبح حائلاً
بينه وبين البصائر والعقول؟!..من أين ستأتي بهذا الجرم لتسدله
بينك وبين الله عز وجل فتصبح محجوباً به عن الله؟لو نظرت
يميناً وشمالاً، ولو بعثت بنظرك إلى الملأ الأعلى.. إلى الملأ
الأدنى.. إلى الأطراف والآفاق كلها، ستجد أنه ما من شيء إلا
وهو منوّر بنور الله في ظاهره وباطنه (وقد شرحنا ذلك).فما هو
هذا الذي يحجبك عنه، مع ما قد علمناه من أن كل ما في الكون من
الموجودات مغموس بالنور الإلهي في ظاهره ومتقوم بهذا النور
سارياً في داخله؟وإذا لم يكن هنالك شيء ذو وجود مستقل يصلح أن
يقوم حاجزاً يقصيك عن شهود الله، لأن كل ما هو موجود مستنير
بنور الله ودال على عظيم صنع الله، فالمفروض إذن أن لا يحجبك
عنه شيء.


ـ قاهرية الله هي التي تحجب كثيراً من الناس عن الله بدون
حجاب

ولكنّ قاهرية الله عز وجل تجعل من اللاشيء شيئاً، وتريك حال
كثيرين من الناس وقد حجبوا عن الله عز وجل بما ليس له وجود
حقيقي أي بما ليست له كثافة ذاتية تغالب النور الإلهي الساري
في كل شيء، فتغلبه وتغيّبه عن البصائر والعقول. وهذا ما يعنيه
ابن عطاء الله بقوله: «مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك
عنه بما ليس موجوداً معه» .كلنا يعلم أن كثيرين هم الذين
حجبوا عن شهود الله ومعرفته، على الرغم من أنه لا يوجد ما يحجب
العقل عن الله، لأن كل ما هو موجود مستنير بنوره ومن ثم فهو
دال عليه.. تأمل في حال الملاحدة والمعاندين والمستكبرين تجد
أنهم محجوبون فعلاً عن شهود الله. ولكن بأي شيء حجبوا عنه؟..
إنما حجبوا عنه بقهره وبطشه. وقاهرية الله لا تحتاج إلى أداة
يستعان بها للستر أو الحجب، كما هو الشأن فيمثال الغرفة
والمصباح. وإنما يتوقف الأمر على القرار الإلهي فقط، الدال
عليه قول الله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } { الأنفال: 8/24 }
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الخامسة عشرة : مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس موجوداً معه

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 8:49 am

ـ ولكن من هم الذين قهرهم الله بحجبهم عنه دون حاجب؟ هم
المستكبرون الذين آثروا التعامل مع الحقائق بمشاعر
استكبارهم بدلاً من موازين عقولهم

ولكن من هم أولئك الذين قهرهم الله بحجبهم عنه دون حاجب؟هم
الذين حاق عليهم غضب الله ومقته. وإنما يحيق مقته وغضبه
بالمعاندين والمستكبرين عليه فقط، دون بقية الناس جميعاً.في
الناس من يستبدّ بهم الكبر والعناد، فيتجاهلون النور الإلهي
الذي تفيض به المكونات كلها، والذي يشعّ مرآه في أبصارهم
وبصائرهم، ثم إنهم يصرون إصرارهم المستكبر على تجاهلهم الكاذب،
فيحيق بهم غضب الله العاجل في الدنيا، ويحجبهم عن شهود ذاته
العلية دونما حجاب!.. ويغيبهم عن رؤية حكمه وسلطانه دونما حاجة
إلى أي حاجز يغيبهم به عنه. وإنما هو نوع من العمى يسدله على
أبصارهم وبصائرهم، فإذا هم محجوبون عن شهود الله عز وجل غائبون
عن دلائله وأنواره التي تفيض بها المكونات كلها، وقد كانوا قبل
ذلك يرونها أو يدركونها متجاهلين مستكبرين.فهؤلاء هم الذين قال
الله عنهم: { وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ
الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا
يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ }
{ الأعراف: 7/179 } إن عدم فقه القلوب، وعدم إبصار الأعين،
وعدم سماع الآذان، لا يتوقف على حاجز موجود يحول دون ذلك. بل
يكفي أن يُفْقِدَ اللهعز وجل منها الإدراك والإبصار والإسماع،
وإذا هي كما شاء الله عز وجل: لا تفقه ولا تبصر ولا تسمع.ألا
تعلم أن في أعين الناس أعيناً لا شِيَةَ فيها ولا عيب، ومع ذلك
فهي تحدق في الأشياء دون أن تراها؟.. ألا تعلم أن فيها ما قد
أصيب بما يسمى عمى الألوان، دون وجود أي عطب أو حائل فهي تبصر
الأشياء دون أن تدرك ألوانها؟!.. إن الذي غضب الله عليه، يُحجب
عن شهود الله والدنو من حضرته بسرّ من الغضب ذاته، ويتحول قلبه
إلى ما يشبه قطعة من الحجر الصلد، بل يؤول به الأمر إلى ما هو
أقسى من الحجارة. ألم تقرأ قول الله تعالى: { ثُمَّ قَسَتْ
قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ
أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ
مِنْهُ الأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ
مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ
اللَّهِ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ } { البقرة:
2/74 }


ـ هل تكون المعاصي وحدها سبباً لهذا الحجاب؟

هل المعاصي وحدها تكون سبباً لهذا الحجاب؟إن المعاصي وحدها
مهما كثرت لا تكون سبباً للمقت أو الغضب الإلهي الذي يتكون منه
الحجاب الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله.وبيان ذلك أن الذي لا
يعاني من الاستكبار وما يتبعه من عناد، إنما يرتكب ما يرتكبه
من الأوزار بسبب ضعفه وبسبب تغلب شيطانه وشهواته عليه. والشأن
فيه أن يندم على ما فرط منه بعد انتهائه من المعصية وغياب
لذتها عنه، فيسوقه الألم والندم إلى التوبة واستغفار الله عز
وجل، ومن سنن الله في عباده أنه يقبل توبة التائبين منهم.
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.وهذا معنى قول الله تعالى وهو
يخاطب إبليس إذ آلى على نفسه أن يغوي عباده أجمعين: { هَذا
صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ، إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.. } { الحجر: 15/41ـ42 } يدل على ذلك
الحديث القدسي المتفق عليه من رواية أبي هريرة وغيره عن النبي
فيما يحكيه عن ربه قال: «أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي
ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له
رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر
لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً
يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي
ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً
يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء»
.ومعنى فليفعل ما شاء أنه مهما فعل المعصية فعاد صادقاً إلى
التوبة منها فإني أغفر له معصيته التي تاب منها.إذن فالمعصية
التي تصادف قلباً موقناً بذل العبودية لله، لا تكون سبباً
للقهر الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله هنا، ذلك القهر الذي يحجب
العبد عن الرب ويزجه في تيه من الظلام لا نجاة له منه.إنما
يأتي هذا القهر من المعصية التي تكون بسائق الاستكبار على الله
عز وجل. إذ هو الداء القاتل الذي لا منجاة منه. يقول الله عز
وجل: { سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي
الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.. } { الأعراف: 7/146 } لقد رأيت
عصاة كثيرين في حياتي، ولكني لا أذكر أن فيهم أحداً لم يتب
أخيراً عن معاصيه ولم يصطلح مع الله عز وجل. إذ كانت دوافعهم
إلى المعصية جموحاً في النفس وضعفاً في الإرادة، دون عتو ولا
استكبار.ولقد رأيت مستكبرين على الله تعالى يمارسون انحرافاتهم
ويأخذون حظهم من المعاصي والأوزار المختلفة، بسائق من
اللامبالاة والاستكبار على الله والاستهانة بأحكامه وأوامره..
فما رأيت واحداً منهم تابيما بعد عن غيّه وعتوّه!.. تسربت إلى
كثير منهم المصائب والأوجاع، وحاقت بهم المهانة وهيمن عليهم
البؤس والضعف، ولكن مشاعرهم بقيت تمارس استكبارها وعتوها على
الله!. ولم أر في الدنيا أقبح من صورة إنسان تراكمت عليه عوامل
الذل والقهر والضعف وتناوشته الأوجاع والأمراض، وهو لا يزال
يجترّ مشاعر تعاظمه على الله عز وجل ويردد ألفاظ سخريته
واستخفافه بسلطان الله وأمره. ويرحم الله صاحب المثل العربي
السائر «أُستٌ في الماء ورأسٌ في السماء» .تلك هي صورة القهر
الذي يتحدث عنها ابن عطاء الله قائلاً: «مما يدلك على وجود
قهره أن حجبك بما ليس موجوداً معه» .قهرٌ.. جعــل الله منه
العقوبــة العاجلة لمن خلع ربقة عبوديته لله عز وجل متجاهلاً
ملازمتها له من فرقه إلى قدمه، ثم اصطنع لنفسه رداء الكبرياء
التي لا تصلح إلا لله عز وجل. فكان من عاقبة هذا القهر أن صرف
بصيرته عن مشاهدته، وحجب عقله عن رؤية آياته، وأغلق منافذ قلبه
عن التأثر بباهر سلطانه وعظيم جبروته، على الرغم من أنك تنظر
فتجد أن كل جزء من أجزاء كيانه المتهاوي، مصطبغ بصبغة العبودية
الضارعة لله عز وجل.قهر.. قضى به قول الله عز وجل: { وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها
وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ
وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا
إِذاً أَبَداً } { الكهف: 18/57 }
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى