الحكمة الحادية عشرة : ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكمة الحادية عشرة : ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 4:32 pm

الحكمة الحادية عشرة


ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ الفرق بين الخمول والكسل

دعونا نوضح المعنى المراد بالخمول أولاً.كثيرون هم الذين
يتصورون أن الكلمة تعني الكسل والدعة.. يقولون: فلان خامل،
يقصدون أنه كسول لا ينهض بعمله ومسؤولياته.غير أن هذه الكلمة
تعني في اللغة الابتعاد عن الأضواء وعن أسباب الشهرة. وأن يكون
الإنسان مجهولاً لدى الآخرين لا يعرفه أكثر الناس.


ـ بيان أن كل شيء لايتكامل وجوده إلاّ بعد أن يبقى مدة في
ظلمات الخفاء

نعود الآن إلى هذا الذي يقوله ابن عطاء الله: «ادفن وجودك في
أرض الخمول» أي عندما تريد أن تنهض بمهامك التي تريد أن تنهض
بها دينية أو دنيوية (ومراد ابن عطاء الله بها هنا المهام
الدينية) عليك قبل أن تشتهر بين الناس وقبل أن يَرَوْكَ على
مسرح الأحداث ويشار إليك بالبنان، أن تدفن وجودك لمدة من الزمن
في أرض الخمول، أي بعيداً عن الشهرة، متوارياً عن أضوائها،
وليكن عملك خلال ذلك هو السعي إلى أن ترعى ذاتك وأن تنضج عقلك
وأن تربي نفسك، وأن تصفي سريرتك من الشوائب. ليكن همك محصوراً
في ذلك.وأنت لا تستطيع أن ترعى نفسك وكيانك هذه الرعاية، إلا
إن كنت مختلياً بنفسك بعيداً عن الضوضاء وعن الأضواء
الاجتماعية وتيارات الأنشطة العامة.


ـ بيان وحدة هذا القانون في الوجود الإنساني والجامدات
والوجود العضوي والاجتماعي للإنسان

ويشبه ابن عطاء الله السكندري هذا القانون التربوي في حياة
الإنسان بالقانون ذاته في عالم النبات!.. فالنواة التي تريد أن
تستنبتها، ستنمحق وتموت إن أنت ألقيتها رأساً على وجه الأرض
وتركتها ظاهرة بين الأتربة والحجارة، تشرق عليها الشمس
المحرقة، ويتخطاها الغادي والرائح.وإنما السبيل إلى استنباتها
أن تدفنها في ظلمات التراب وباطن الأرض، وتترك على هذه الحال
مدة، بحيث تتفاعل مع ذاتها، وينضج ثم ينبعث كل ما قد أودعه
الله في داخلها من الخصائص المتمثلة في أوراق وعروق تتجه صاعدة
إلى وجه الأرض، تمزق الأتربة التي فوقها، بل تشق الحجارة التي
في طريقها، لتصافح الهواء الساري ولتتغذى بضياء الشمس
المشرقة.فظهور النبات يمرّ، إذن، بمرحلتين: مرحلة التأسيس إذ
يكون في باطن الأرض، ومرحلة النمو والعطاء إذ يكون على ظاهرها
تحت ضوء الشمس وأمام الأبصار.القانوني الإلهي واحد سواء فيما
يتعلق بالنواة والبذور التي تُسْتَنْبَتُ، أو بالإنسان الذي
يريد أن يكوّن ذاته.إن بوسع الإنسان أن يعرف هويته عبداً
مملوكاً لله عز وجل خلال دقائق أو أيام..ولكن إذا أراد أن يضع
هويته هذه موضع التنفيذ، فيسير على صراط الله عالماً بشرعه
مدافعاً عن دينه مجاهداً في سبيله آمراً بالمعروف ناهياً عن
المنكر ناهضاً بواجباته الاجتماعية المثلى، فلا بدّ أن يسير
إلى ذلك، سيرة النواة إذ يتكامل نضجها في رحم الأرض، فيتعهد
نفسه بالتربية والتزكية وتخليتها من الشوائب، في مرحلة من
الانطواء على الذات، والابتعاد عن ضجيج الأنشطة الاجتماعية.ولو
أنه قفز فوق هذه المرحلة، واتجه رأساً إلى الأنشطة الاجتماعية
يتعامل معها ويتفاعل مع تياراتها، لكانت سيرته كسيرة النواة
التي ألقيتها على وجه التراب وبين الحجارة، هل تنتظر منها إلا
العفونة والفساد؟!..إن مآل هذا الإنسان الذي بدأ عمله فوق مسرح
الشهرة وتحت الأضواء الساطعة هو الخيبة والفساد!.. إن تكلم فلن
يصدر عن علم ناضج، وإن هو أراد السير على صراط الله فلسوف
تعوقه نفسه الأمارة بالسوء عن الانضباط بهذا السير، لما يعانيه
من غرائز وشهوات وأهواء لم يتح له أن يخلص نفسه منها. وإذا
اتجه إلى الأنشطة الاجتماعية، شدته رغائبه إلى التنافس في حظوظ
المراكز والزعامات، والتسابق إلى حيث المغانم والأموال.ذلك لأن
نفسه لم يتح لها أن تتهذب في محراب العزلة، ولم تنبثق فطرتها
السليمة ناضجة في رحم الخلوة.وما أكثر الفساد الذي ينتشر اليوم
في جنبات المجتمعات الإسلامية بسبب الإعراض عن هذا الذي يوصي
به ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى، بسبب الكثير ممن
يتزبب وهو حصرم.ولكن ما من إنسان يبدأ بتكوين نفسه والتعرف على
ذاته، وتغذية عقله بالعلوم والمعارف وتجارب الحياة، بعيداً عن
الأضواء الاجتماعية وعن أسباب الشهرة وعن أحلام الزعامة
مستعيناً بأجواء من الخلوات الجزئية التي تشبه جرعات الدواء
المتلاحقة، أقول: ما من إنسان يأخذ نفسه بهذا العلاج، إلا
وينضج عقله دراية وعلماً، وتتزكى نفسه تهذيباً وتربية، وتتجه
منه المشاعر والعواطف إلى كل ما هو أعلى وأبقى وقد صفيت من
شوائب الأهواء والرعونات.وتصبح أنشطته وأعماله الاجتماعية
عندئذ مفيدة ومثمرة له ولمجتمعه، تماماً كالنواة التي تركت في
باطن الأرض، حتى تفجرت في ظاهرها نباتاً مخضراً يانعاً ثم
مثمراً.


ـ المستند الذي اعتمد عليه ابن عطاء الله، سيرة رسول
الله صلى الله عليه وسلم

قد يسأل البعض: من أين جاء ابن عطاء الله السكندري بهذه
الحكمة؟والجواب أنه، كغيره، أخذها من سيرة رسول الله التي
رباه ونشّأه الله عليها. فلقد ورد في الصحيح أن الله حبّب إليه
الخلاء، فكان يخلو في غار حراء الليالي المتتابعة. كان ذلك هو
العمل التأسيسي في رحلة القيام بالمهمة التي كلفه الله بها، من
بعد.وعندما نتبين الحكمة من ذلك، نعلم أنه كما احتاج رسول
الله بين يدي القيام بعمله الوظيفي إلى هذه الخلوة فبقية
المسلمين أشد حاجة منه إليها.وإننا لننظر، فنجد أن السلف
الصالح كلهم ساروا على هذا المنوال، فلم يقفز أي من أصحاب رسول
الله رضوان الله عليهم ولا أحد ممنجاء بعدهم فوق هذا القانون
الذي يذكرنا به ابن عطاء الله رحمه الله تعالى.

عامر شمس الحق

عدد المساهمات: 85
تاريخ التسجيل: 19/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الحادية عشرة : ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 2:33 pm

ـ لكي ينهض الإنسان بواجباته الاجتماعية بنجاح لابدّ من
أن يتحلى بثلاث خصال: العلم.. تزكية النفس.. تطهير القلب
من التعلق بالأغيار

إنني بحاجة من أجل أن أخرج إلى المجتمع فأنهض بواجباتي
الاجتماعية بين الناس إلى ثلاثة أمور: أولها: العلم. فلا
يجوز لي أن أتكلم بين الناس وأن أقودهم إلى ما أرى أنه الحق
بدون علم. ثانيها: تزكية النفس، فالنفس كما هو معلوم أمّارة
بالسوء. نفسي التي بين جنبي، تطمح بي (في بادئ الأمر) إلى
البحث عن الزعامة.. إلى الوجاهة.. إلى منافسة الأقران.. إلى أن
أكون أنا الأفضل في سائر الأمور والأعمال.. تطمح بي دائماً إلى
المتع واللذائذ.. إلى جمع المال من أي نافذة لاحت، فإن صليت
دعتني نفسي إلى أن أجعل من صلاتي سبيلاً لثناء الناس عليّ..
وإن قمت أعلّم الناس وأدعوهم وأعظهم، دعتني نفسي إلى أن أجعل
من ذلك سُلّماً لشهرة وزعامة، وإن سلكت مسلك الاستزادة من
الأذكار والعبادات والقربات، توجهت بي هذه النفس ذاتها إلى أن
أكون بذلك وجيهاً ومعظماً في قلوب الناس. ولا علاج للتخلص من
هذه الآفات كلها إلاّ أن آخذ نفسي هذه بمنهج التزكية التي
أمرني الله بها. ثالثها: تطهير القلب من محبة الأغيار!.. إنني
أحب المال، أحب الزعامة، أحب زوجتي، أحب أولادي، أحب من سماهم
الله الأنداد.. أي المنافسين لله عز وجل على قلوبعباده. مطلوب
مني أن أطهر قلبي من ذلك كله، وأن أسقط محبة هؤلاء الأغيار
منه.في أي مدرسة أحقق هذه النتائج الثلاث؟ لو أنني اندمجت في
المجتمع، وحاولت وأنا أتقلب في غماره أن أطهر قلبي وأن أغذي
عقلي وأن أزكي نفسي فلن أصل إلاّ إلى نقيض ما أريد!..


ـ لايمكن تحقيق هذه الخصال الثلاث إلا بالتزام خلوات
جزئية منظمة

إن الوصول إلى هذه الأهداف الثلاثة لا يتم إلا بإخضاع الذات
لخلوات جزئية منظمة.. في هذه الخلوات، بقيودها التي سأتحدث
عنها، أتهيأ لمعرفة ذاتي وللوقوف على هويتي عبداً مملوكاً لله
عز وجل. وستسلمني هذه المعرفة إلى منهاج من الأذكار أجعل منها
وردي الدائم، وسيكون الإكثار من تلاوة القرآن بتدبر وتأمل في
مقدمتها. وشيئاً فشيئاً ستنجلي أمامي المكونات على حقيقتها.
إنها أتفه وأقلّ من أن يتعلق بها القلب، تعلقاً يحجبه عن رؤية
المكوِّن جلّ جلاله، ولسوف تتخلّى النفس عن رعوناتها وأهوائها،
وتصطلح مع الروح الهابطة إلى الجسد من الملأ الأعلى، لتبدءا
السير معاً على الطريق الموصل إلى رضوان الله عز وجل.غير أن
هذا لا يكون إلا عندما آخذ نفسي بمرحلة من الخمول وبساعات من
العزلة أخلو بها إلى ذاتي، بعيداً عن المجتمع وضوضائه.وإني
لأشبه الإنسان التائه عن هذا العلاج، السابح في أمواج التيارات
الاجتماعية المتنوعة، برجل اتخذ مكانه في ناد ليلي يفيض
بالضجيج والأحاديث المتداخلة والأصوات المرتفعة، وفجأة أقبل
إليه صديق أو شريك له في التجارة، يحدثه عن أمور حسابية
تتعلقبالشركة والأمور المالية التي بينهما. يصغي إليه صاحبه
قليلاً، ثم يجد أن لا فائدة من الإصغاء، لا المتكلم ينفذ
بالحديث دقيقاً إلى سمعه، ولا هو يستطيع أن يستوعب ما يقوله
له، وسط ذلك الضجيج.. فيقول لصاحبه: قم بنا نبحث عن مكان هادئ
يتاح لنا فيه التعامل مع الروية والفكر.

عامر شمس الحق

عدد المساهمات: 85
تاريخ التسجيل: 19/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الحادية عشرة : ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 2:34 pm

ـ أمثلة على ذلك

مثال ذلك أيضاً تاجر يمضي يومه في متجره مع الزبائن الغادين
والرائحين، يندمج معهم ويساهم في ضجيجهم. ولكن ما من ريب أن
سرّ نجاحه وأرباحه التجارية لا يكمن في اندماجه مع ضجيج السوق
ومساوماته مع الزبائن، وإنما يكمن في الساعتين اللتين يقضيهما
مختلياً في مكتبه يراجع فيهما دفاتره، ويتأمل حساب الصادر
والوارد لديه.وكما أن مثال التجارة الدنيوية هذا، لا يعجز عن
فهمه أحد، فكذلك شأن التجارة بأمور الدين.إنني عندما أبدأ عملي
الإسلامي بالاندماج في المجتمع داعياً واعظاً حركياً آمراً
ناهياً، وأجدني فجأة قد أصبحت زعيماً أو مسؤولاً كبيراً، أو
اكتسبت شهرة بين الناس على حين غرة، فما من ريب في أني سأجند
كل أنشطتي الدينية وإمكاناتي الحركية لحماية ما قد نلته من
شهرة أو زعامة أو مال.إذن ماذا عسى أن أستفيد وأفيد في هذه
الحال؟لن أستفيد سوى أوزار من الرياء والعجب أحملها إلى الله
فوق كاهلي، ولن أفيد الناس إلا أقوالاً مرصوفة وحركات خداعة.
أما الدين في جوهره فتائه وضائع بين هذين الطرفين!..ولكني إن
بدأت بالنظر إلى نفسي ومعالجتها، واتخذت من وصية رسول الله
منهجاً للتربية والعلاج: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك
على خطيئتك» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وابن أبي الدني
من حديث عقبة بن أبي عامر. فسوف يتقلص سلطان الدنيا وأهوائها
شيئاً فشيئاً عن مشاعري ونفسي، ويتجلّى في مكانه سلطان الله عز
وجل مهيمناً على كياني، وشيئاً فشيئاً يقودني دافع الإخلاص لله
وحده، في سائر أعمالي وأنشطتي التي أمارسها. إذ سيتبين لي أنه
لا يوجد أحد من دون الله يستأهل أن يكون عملي من أجله.من ذا
الذي يستطيع أن يفيدني أو يضرني من دونه؟! بل من ذا الذي يملك
أي شيء من بعده؟!..في ضرام هذا الشعور ينقدح الإخلاص لوجه
الله، ويغيب عن الذهن والنفس وجود الأغيار على اختلافها. ويصبح
الاندماج في المجتمع مأموناً ومحفوظاً من سائر الأخطار.عندئذ
لا خوف عليّ من المجتمع وأضوائه.. لا خوف عليّ من الرياء لا
داعي إلى الحذر من العجب.. لا حاجة إلى الخوف ممن قد يحاول أن
يشتريني لمصالحه بالمال، أو بالمتع والملذات.. إذ لن أجد أمامي
أحداً إلا الله الذي هو وحده الفعال، وهو وحده النافع
والضار.كان في الناس الذين يغشون مجلس والدي رحمه الله من
يسأله قائلاً: يا سيدي كيف السبيل إلى التخلص من الرياء؟فكان
يضحك متعجباً ويقول له: وهل يوجد أحد غير الله يستأهل أن ترائي
له؟!.. المفروض في المرائي أن يجد بديلاً عن الله يتقرب إليه
بعمله، فمن هو هذا البديل، وأين يوجد؟ إنّ الذي أيقن عقله معنى
التوحيد الحقيقي يدرك كنه «لا حول ولا قوة إلا بالله» ومن ثم
فلا معنى للرياء في ذهنه ولا وجود له في مشاعره.تأمل في معنى
هذا الكلام الدقيق. ولكن فلتعلم أن والدي دفن نفسه طويلاً في
أرض الخمول، قبل أن يعصمه التوحيد من أخطار الرياء والعجب
والأهواء، ويجعله يعجب من طرح مثل هذا السؤال. * * *


ـ الخمول المطلوب هنا لايعني بالضرورة الخلوة أو العزلة
التامة

على أن الخمول الذي يعنيه ابن عطاء الله هنا، أعمُّ من الخلوة
التي نتحدث عنها، فالخمول يعني الابتعاد عن الشهرة وعن خِضَمِّ
الأنشطة الاجتماعية، والركون إلى الذات لاستكمال معارفها
وتنمية خصائصها ومزاياها، وتسليك النفس في مسالك التربية
والتهذيب.وكما يكون ذلك عن طريق الاستعانة بسلسلة الخلوات
المنسَّقة، يكون عن طريق الاعتماد على دائرة ضيقة من المعلمين
والمرشدين، والأقران الذين يستعان بهم في السير على هذا
الطريق.. المهم أن لا يشغل السالك نفسه في هذه المرحلة بالشؤون
العامة، وأن لا يزج نفسه في غمار الأنشطة الاجتماعية وضوضائها،
إذ إن ذلك من شأنه أن يخنق براعم مزاياه العقلية والفكرية
النفسية التي لم تتفتح بعد، في مناخ التربية والمعرفة، وأن
تستثير في مكانها من نفسه النقائص والعيوب، كما قد أوضحت قبل
قليل.


ـ هذه الحكمة تعبر عن قانون لابدّ منه في كل من القضايا
الدينية والدنيوية

ومن المهم أن تعلم أن اتباع هذه الحكمة أساس لا بدّ منه في كل
من القضايا الدينية والدنيوية معاً.فكم من مصالح ومؤسسات
اقتصادية واجتماعية وعلمية، تسرب إليها الفساد، إذ عهد
برعايتها إلى أشخاص، رأس مالهم من الخبرة والمعرفة والمراس،
زعامة أو شهرة أو مكانة، نالوها طفرة، دون أي مرور بقناة النضج
التربوي أو الخبرة أو الدراية المعرفية!.. ففسدت المؤسسات،
وتعطلت المصالح، وأفلست الشركات، إذ لم تغن الزعامة أو الشهرة
أو المكانة الخلّبية، عن العلم والأخلاق والتربية شيئاً. وقد
علمت أن التكوين التربوي للنفس، والتكوين المعرفي للعقل، لا
يتم أي منهما إلا في رحم الخمول بعيداً عن أضواء الزعامة
والشهرة المنبثقة من الهياجات الاجتماعية أو الحزبية
ونحوها. زارني مجموعة من الشباب، الذين قفزت بهم أنشطتهم
الحزبية والاجتماعية إلى ذرا منابر الدعوة والتوجيه والأمر
والنهي.. دون مرور بهذه المرحلة التكوينية التي يتحدث عنها ابن
عطاء الله في هذه الحكمة. ولما اطمأنت بهم مجالسهم، نظر إليّ
أحدهم ناصحاً -وكان أصغرهم سناً- وقال:- قال الله تعالى: ((ولا
تركنوا إلى الذين ظلَموا فَتَمُسَّكُمُ النار..)) قرأ الكلمة
بهذا الشكل: «فتمُسَّكُم» بضم الميم!..استعدته تلاوة الآية،
ظاناً أن الخطأ في تلاوتها إنما كان سبق لسان. فأعادها كما
بدأها، دون أن يتنبّه إلى أنه أخطأ في شيء ما. قلت له: ولكن
الآية، كما هي في القرآن وفي اللغة: { فتَمَسَّكم } { هود:
11/113 } حاول الشاب كثيراً، دون جدوى، ولم يستطع أن يقيم
لسانه على نطق سليم بكلمة { فتَمَسَّكم } { هود: 11/113 } قلت
له: يا هذا، لقد حملتك غيرتك الفجّة على الإسلام، على أن تجلس
مني مجلس الناصح والواعظ، فهلاّ حملتك غيرتك هذه على أن تتعلم
القرآن أولاً؟!.والحق أني أسفت جداً لهذه المفارقة، ولكني لم
أستغربها ولم أعجب منها، إذ إن حال هذا الشاب لم يكن بدعاً أو
فريداً في أمثاله. بل هو نموذج لحال كثير من الشباب الذين
يتربعون اليوم على أريكة الإرشاد والتوجيه، قفزاً فوق مرحلة
التكوين التي يتحدث عنها ابن عطاء الله، رشحتهم لها المراكز
الحزبية أو الأنشطة الاجتماعية، أو المصالح المتبــادلة. في
غياب تام لمشاعر الغيرة على الحق والإخلاص لدين الله عز وجل.

عامر شمس الحق

عدد المساهمات: 85
تاريخ التسجيل: 19/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى