الحكمة العاشرة : الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكمة العاشرة : الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 8:31 am

الحكمة العاشرة

الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها

ـ بيان الصلة بين هذه الحكمة والتي قبلها

هذه الحكمة ذيل متمم للحكمة السابقة.فبعد أن عرفنا أن الأعمال
التي يتقرب بها المسلم إلى الله، ليست محصورة في الفرائض
الأساسية التي تمثل أركان الإسلام، بل هي كثيرة ومتنوعة تشمل
كل ما يدخل تحت قوله الله: { عملوا الصالحات } { العصر: 103/3
} ولا بدّ لإدراك معنى هذه الحكمة، والوقوف على الصلة الدقيقة
بينها وبين الحكمة السابقة من بيان ما يلي:

ـ كل القربات التي ينال بها المسلم مرضاة الله مؤلفة من
عمل وقصد

كل القربات التي ينال بها المسلم مرضاة الله تعالى، مؤلفة من
عمل وقصد.فلا قيمة للعمل مهما كان في مظهره مقبولاً ونافعاً إن
لم يكن القصد الدافع إليه مجرد الحصول على مرضاة الله ومثوبته.
ولا قيمة للقصد (في أكثر الأحيان) إن لم يتجلّ في العمل
المقصود.ولاحظ أنني أقرر أن وجود العمل مفصولاً عن القصد
السليم الذي يعبَّر عنه بالإخلاص لوجه الله، لا قيمة له في
ميزان الشرع وحكمه في كل الأحوال، ولا داعي إلى التذكير
بالنصوص الدالة على هذا من الكتاب والسنة، فهي معروفة، ولعلها
محفوظة. إذن فلا استثناء لهذا القرار أو الحكم العام.


ـ بيان ضرورة القصد وأهميته، وأنه من العمل الصالح
كالأساس الخفي من البناء

ولكني عندما قررت العكس، قيدت ذلك بـ (أكثر الأحيان) . ذلك
لأن النية السليمة قد تغني عن العمل في بعض الأحيان، وذلك
عندما يملك المسلم صفاء القصد وخلوص النية لله عز وجل في
الاتجاه إلى عمل ما، ولكنه لا يملك القدرة على تحقيق ذلك
العمل، كتوجه قصده إلى مدّ يد العون المادي إلى فقير محتاج، أو
العون المعنوي إلى ضعيف يحتاج إلى خدمة أو رعاية أو ردّ غائلة
عدوان، ولكنه ينظر، فلا يجد لديه القدرة على ذلك. مما لا ريب
فيه أن النية وحدها في هذه الحالة تكفي، وقد دلت على ذلك
أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله .غير أن هذا الانفكاك لا
يتأتى في انفراد العمل عن القصد السليم المتمثل في الإخلاص لله
عز وجل، بل كلما كان العمل المنفَّذ مرتبطاً بقصد غير سليم،
فهو عمل لاغ وباطل في ميزان الله وحكمه. وقرار الله في ذلك
نافذ لا مردّ له: { وَقَدِمْنا إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً } { الفرقان: 25/23 }


ـ إسقاط هذه الحكمة على أمثلة من أرض الواقع

إذا تبين هذا، فتعال نسقط هذه الحكمة، بل هذه القاعدة على
أمثلة من أرض الواقع رجل ركبته ديون مالية حان وقت سدادها،
رأى صاحب أو أصحاب هذه الديون، مقبلين إليه من بعيد، فاتجه
مسرعاً إلى أقرب مسجد وأخذ يصلي سلسلة من النوافل الكثيرة. مما
لا شك فيه أنْ ليس لهذا المصلي أن يتصور أنه يمارس من صلاته
عملاً يتقرب به إلى الله. إذ إن الله لم يقمه من الطاعات
والقربات في هذه الصلاة، ذلك لأن قصده ليس التقرب بها إلى
الله، وإنما التهرب من سداد الدين.( عامل يشتغل في معمل، انتهز
فرصة أذان الظهر، فترك عمله بحجة التوجه إلى صلاة الظهر، وتوضأ
فأطال الوضوء، ثم دخل الصلاة فأطال منها ما شاء أن يطيل، ثم
اتخذ مجلسه في ظل ظليل وأسند ظهره إلى مكان مريح وأخذ يتشاغل
بالأوراد الكثيرة أو بقراءة القرآن. من الواضح أن هذه الصلاة
بهذا الشكل لا تدخل في أنواع الأعمال المقربة إلى الله، لأنه
إنما ابتغى بها الابتعاد عن العمل الذي هو بصدده بحثاً عن
الراحة.( واحد من هؤلاء الذين ينشطون في أعمال حركية خدمةً
للإسلام وللدعوة الإسلامية فيما يزعمون، يعلم في قرارة نفسه
أنه يبتغي من أنشطته التي يقوم بها، فائدة دنيوية من زعامة أو
مال أو مركز سياسي، جاء من يعتب عليه بأنه مقصر في عباداته، لا
يستيقظ لصلاة الفجر إلا مع الشمس أو قبيلها، لا يتعهد نفسه
بشيء من تلاوة القرآن، فأجابه قائلاً: إن الله أقامه في أعمال
الدعوة وخدمة الإسلام،ولم يقمه في العكوف على العبادات وتلاوة
القرآن والأوراد!.. مما لا ريب فيه أن دعواه باطلة، إذ إن عمله
الذي ينصرف إليه غير مقترن بروح الإخلاص لوجه الله عز وجل.(
ثلة من الأصدقاء توجهوا حجاجاً إلى بيت الله الحرام، وقد
تطاوعوا فيما بينهم أداء الخدمات ورعاية مصالحهم الشخصية، رأى
أحدهم أن يهرب من أعمال الخدمة المتمثلة في غسل الأطباق وتهيئة
الطعام وتنظيف المنزل، فاتجه إلى الحرم يطوف آناً ويصلي آناً
ويتلو القرآن آناً آخر، تاركاً لإخوانه تلك المهمة التي فرّ
منها، لا شك أن عمله الذي اختاره لنفسه لا يدخل في قول ابن
عطاء الله: «تنوعت أجناس الأعمال، بقدر تنوع واردات الأحوال»
حتى ولو رأى هذا الرجل نفسه متميزاً عن إخوانه بدراية فقهية
ومركز علمي وديني مرموق. ذلك لأن هذه المزية لا تجعله أهلاً
لما اختاره لنفسه من الطواف والصلاة والقراءات دون غيرها من
خدمات المنزل.( قد تجد صاحب تجارة أو مصنع، يلهث مسرعاً إلى
أعماله التجارية أو الصناعية وينشط لذلك نشاطاً يذهب براحته
وينسيه أكثر وظائفه الدينية باستثناء الأركان والفروض الأساسية
منها، فإذا جاء من يذكره بالله وواجباته والوظائف الدينية
المنسية من حياته، قال: ألستم تقولون: تنوعت أجناس الأعمال
بقدر تنوع واردات الأحوال؟.. وها قد أقامني الله من أجناس
الأعمال في عملي التجاري هذا!..إن كلامه هذا غير مقبول، وعمله
ليس من الأعمال الصالحة الداخلة في أجناس هذه الأعمال، ذلك
لأنه لا يقبل على تجارتهوشؤونها من حيث هي عبادة متميزة أقامه
الله فيها، فهو لا يمارسها إلا ابتغاء رضا الله عنه، وإنما هو
متهافت عليها سعياً وراء حظ نفسه، ولحاقاً بأحلامه التوسعية
التي يضحي في سبيلها بالكثير من أوامر الله وحدوده. * * *


ـ صفوة القول أن الأعمال تابعة للقصد، وليس العكس، ومن
هنا تنوعت الأعمال الصالحة المقربة إلى الله إلى ما لاحصر
له

وصفوة القول، هي أن علينا أن نعلم ولا ننسى أن الأعمال الصالحة
التي يأمر الله بها في محكم تبيانه، ليست محصورة في قائمة
الفرائض والأركان الأساسية للإسلام بل تشمل كل ما يحقق مصلحة
من مصالح الناس من حيث الأفراد ومن حيث التركيبة الاجتماعية.
على أن يراعى في أنواعها الترتيب الذي جاء به كتاب الله عز
وجل، وهو وضع مصلحة الدين في رأس المصالح كلها، تليها مصلحة
الحياة فالعقل فالنسل فالمال.فكل هذه الخدمات داخل دخولاً
أولياً في معنى الأعمال الصالحة التي يأمر بها الله عز وجل
ويثيب عليها، وإذن فهي من العبادات التي يحقق بها المسلم معنى
عبوديته لله عز وجل.إنما المشكلة في انفصال هذه الأعمال عن
الهدف القدسي الذي يجعل منها عبادة، ويجعل من صاحبها عبداً
يمارس بها عبوديته لله بالسلوك الاختياري.المشكلة أن تصبح
الحوافز الدافعة إلى أعمال التجارة والصناعة والزراعة إمتاع
النفس بحظوظها، والركون إلى زهرة الحياة الدنيا بدلاً عن
الإقبال بها إلى الله.المشكلة أن يسمر الزوج مع زوجه وأولاده
في جو مغموس بالمنسيات والملهيات والمحرمات، بدلاً من أن يسمر
معهم ليحقق ما قد أمر الله به من إيناسهم وإدخال البهجة في
نفوسهم، فيزداد بذلك قرباً إلى الله.المشكلة أن ترتفع الأصوات
بالخطب الحماسية الدينية، وأن تدبج المقالات وتكتب البحوث في
تمجيد الإسلام، وأن تصرف الأموال الطائلة على المؤتمرات
الإسلامية، ثم يظهر للعيان أن الإسلام يتخذ مطية ذلولاً لمطامع
ومطامح دنيوية يتم التنافس عليها والتزاحم من أجلها، ويتخذ
سلّماً للوصول إلى الجوائز والامتيازات المالية
والوظيفية.والمشكلة باختصار أن يغدو التحرك بأنواعه على مسرح
العمل الإسلامي في مجتمعاتنا اليوم، حرفة من الحرف الكثيرة
المتنوعة التي يبتغى منها الرزق وما في حكمه.ولو صفت القلوب،
وخلصت النيات من الشوائب، وهيمن الإخلاص لوجه الله على أفئدة
العاملين على اختلاف أنواعهم وفئاتهم، لرأيت أن كلمة المسلمين
اليوم واحدة، ولرأيت أن أمرهم بأيديهم، ولرأيت أن هيبتهم
وقوتهم ملء أفئدة أعدائهم.فإذا آل العمل الإسلامي في مظاهره
المتنوعة إلى أن يصبح حرفة لاستثمار الدنيا ومتمولاتها، فماذا
تتوقع من الحرف الدنيوية؟ وكيف السبيل إلى أن يسمو بها أصحابها
إلى مستوى الأعمال الصالحة التي يبتغى بها وجه الله؟!..ولكن لا
بدّ أن أستدرك فأؤكد أن في المسلمين من لا يزالون على العهد،
صادقين مخلصين، لا يضرهم المخالفون لهم، بوسعك أن ترى منهم في
كل دولة ومدينة وصقع. وصدق رسول الله القائل: «لا تزال طائفة
من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله
وهم ظاهرون» متفق عليه من حديث المغيرة. .
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى