الحكمة الرابعة : أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكمة الرابعة : أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 2:52 am

الحكمة الرابعة

أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك

ـ قد يرى بعض الناس تعارضاً بين هذه الحكمة والتي قبلها

قد يرى بعض الناس في هذه الحكمة ما يعارض، قول ابن عطاء الله
في الحكمة السابقة: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية» إذ هو هناك يدعو إلى التعامل مع
الأسباب التي تواجه الإنسان في حياته، والتي يكون التعامل معها
بشكل شرعي.. ولكنه هنا يحذره منها ويدعوه إلى أن يريح نفسه من
عناء الإقبال إليها، وينصحه بأن لا يتعب نفسه بجهد قد أراحه
الله منه.والواقع أنه لا تعارض في كلام ابن عطاء الله. بل بين
ما ذكره في الحكمة السابقة وكلامه هنا منتهى التوافق
والانسجام.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الرابعة : أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 2:54 am

ـ بيان مفصل للفرق بين اتخاذ الأسباب، والتدبير الإلهي
الذي تجند له الأسباب

هنالك فرق كبير بين التعامل مع الأسباب، وتدبير الإنسان أمور
نفسه من خلال الأسباب..التعامل مع الأسباب جهد عضلي مادي يبذله
المتعامل معها، يذهب إلى السوق ليتاجر.. يذهب إلى الجامعة
ليتعلم.. يتجه إلى الطبيب ليتداوى.. يبتعد عن أسباب الضر التي
حذر الله منها..أما التدبير فعمل فكري، وقرار عقلي، معناه أن
يحدث الإنسان نفسه بأنه بتعامله مع الأسباب قد رتب لنفسه خطة
الربح والنجاح وضمن لنفسه النتائج، فالأسباب في نظره خدم تحت
سلطانه وأدواتتدبيره، وعقله هو مفتاح نجاحه ومصدر تدبيره. ألا
تراه يقول: أرح نفسك، بدلاً من أن يقول: أرح جسمك أو أبعد
جسمك.فالتعامل مصدره الجسم والأعضاء، وهو مطلوب
ومرغوب.والتدبير مصدره النفس والفكر، وهو مرفوض ومكروه.ومن
تلاقي هاتين النصيحتين: الإيجابية والسلبية يتكوّن النهج
الإسلامي في حياة المسلم. يخرج إلى السوق فيعمل كما يعمل
الآخرون، ويقبل على الأسباب التي تنتصب في طريقه فيقدرها
ويتعامل معها طبق التعاليم الشرعية.. فإذا جاء من يسأله: ماذا
تتوقع من وراء أنشطتك وأعمالك هذه، قال له: واجبات كلفني الله
بها، أديتها كما طلب. ما الذي سيخلقه الله من وراء ذلك؟ إنه
عائد إلى تدبير الله وحكمه. وأنا مستسلم لقضائه راض بحكمه.هذا
هو النهج الإسلامي الذي يذكّر به ابن عطاء الله. تعاملٌ مع
الأسباب القائمة، بما يتفق مع الشرع، وتسليم لحكم الله وتدبيره
مع ذلك وبعد ذلك.وبوسعك أن تتبين هذا النهج في حياة قدوتنا
المصطفى .. انظر إلى شأنه يوم هاجر إلى المدينة المنورة
مصطحباً معه صاحبه أبا بكر رضي الله عنه.. تعامل في هجرته هذه
مع الأسباب كلها، حتى لكأنه يوقن بأنها الشرط الذي لا بدّ منه
لنجاح هجرته. خرج متخفياً، ترك علياً رضي الله عنه ينام في
فراشه حتى يظن المشركون أنه رسول الله فلا يتعقبونه ويبحثون
عنه، ترك راعي أبي بكر يسير بأغنامه وراءهما لتعفي الأغنام على
آثار مشي رسول الله وصاحبه، أقاماثلاثة أيام في غار ثور،
ريثما ينقطع الطلب في الطرقات عنهما، عهدا إلى رجل من المشركين
مأمون الجانب أن يلقاهما في ميقات معين عند غار ثور، وهو (عبد
الله بن أرقط) ليدلّهما على الطرق الخلفية إلى المدينة.. فهذا
هو التعامل التام مع الأسباب.وفي أثناء اختفائهما في الغار،
وصل جمع من المشركين في أثناء بحثهم عن رسول الله إلى الغار،
وأصبحت فتحة الغار تحت أبصارهم، واضطرب أبو بكر، وهمس في أذن
رسول الله قائلاً له: لو أن أحدهم نظر عند قدمه لرآنا، فقال
له: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ )).. ولما خرجا من الغار
وواصلا سيرهما متجهين إلى المدينة، أدركهما سراقة على فرسه
قاصداً بهما الشر، كما ورد في الصحيح، وأخذ يتلفت أبو بكر إليه
وقد داخله من ذلك الخوف على رسول الله ، ورسول الله ماض في
سيره لا يلتفت يسرة ولا يمنة، يواصل قراءته، معتمداً على حماية
الله وتدبيره.. وهذا هو إسقاط التدبير والاعتماد على تدبير
الله.مارس الأسباب وتعامل معها خضوعاً لأمر الله وانسجاماً مع
النظام الكوني الذي أقامه الله عز وجل، ثم نسي الأسباب
وقيمتها، وربط النتائج، في يقينه الاعتقادي، بحكم الله ولطفه،
مع ثقته التامة بحكمته ورحمته وتوفيقه.إذن، فهذا المشهد النبوي
يشرح لك قول ابن عطاء الله: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به
غيرك عنك لا تقم به لنفسك» ويوضح مدى الانسجام بينه وبين
قوله: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من
الشهوة الخفية».ورد أن عليّ بن الحسين رضي الله عنهما كان له
متجر في السوق، وكان ذا تجارة واسعة، وكان إذا حان وقت الصلاة
ترك متجره واتجه إلى المسجد للصلاة. وذات يوم، وبينما هو في
المسجد يصلي إذ جاءه من يخبره أن النيران اشتعلت في السوق،
وأنها بدأت تلتهم متجره!..لم يكترث عليّ رضي الله عنه بالخبر
وظل مقبلاً على صلاته فرضاً ونافلة وذكراً وتسبيحاً، كعادته
دائماً. ثم أقبل عائداً إلى السوق آمناً مطمئن البال.فانظر إلى
تعامله مع الأسباب كيف يتجلى في نشاطه التجاري في متجره وسوقه
التجارية. وهي الوظيفة التي أقام الله عباده عليها.ثم انظر،
كيف جرّد نفسه من التدبير وإمكاناته، وأحال ذلك، بقناعة تامة
مطلقة إلى تدبير الله وحكمه، عندما أدى وظيفته التي كلفه الله
بها، ثم اتجه إلى الوظيفة الكبرى التي خلق الله الإنسان من
أجلها، وهي الصلاة والعبادة.لم يلتفت عندئذ إلى الأسباب، ولم
يكترث بها، لأنه كان قد انتقل آنذاك من مجال الأسباب والتعامل
معها إلى ساحة التجريد. فأعطى كلاً من الحالين حقه، ولم يخلط
واحداً منهما بالآخر، ووكل في سائر الأحوال التدبير - أي خلق
النتائج - إلى الله عز وجل.أراح رضي الله عنه نفسه من التدبير،
بعد أن اطمأنّ إلى أنه لم يدّخر وسعاً في التعامل مع الأسباب،
موقناً بأنه لن يجري في السوق كله، بما فيه محله، إلا ما قد
قضاه الله. ولن تخترق محاولاته التي قد يُدْعَى إليها على أمرٍ
قد أبرم الله فيه حكمه وبتّ فيه قضاءه، ومطمئناًلى أن الخير
فيما قد قضاه الله، ففيم الجزع والاضطراب والانصراف عن الإقبال
على الخالق الرازق المدبر لأداء العبادة التي خلق من أجلها،
إلى جهد من الأسباب لن تعود إليه بأي طائل؟!..ربّ مجادل يقول:
ألم يكن عليه وقد جاءه الخبر بالنار التي أخذت تسري إلى محله،
أن يختصر صلاته، ويكتفي بالفريضة دون النوافل وذيولها، ليحاول
بما يمكن، حجز متجره عن النيران؟والجواب أنه لو كان آنذاك
منصرفاً إلى بعض شؤونه الدنيوية، إذن لكان عليه فعلاً أن يبذل
جهده في استخدام الأسباب التي تصون متجره، لأنه يتحرك في عالم
الأسباب ومن ثم فإن عليه أن يتعامل معها.ولكنه كان -كما علمنا-
منصرفاً إلى أداء حق الله، متجهاً إلى الوظيفة العظمى التي خلق
من أجلها، إنه إذن مع الله في عالم التجريد. وقد انتهى من
وظيفة التعامل مع الأسباب، إلى وظيفة الواجبات التي كلفه الله
بأدائها، وما قد يتبعها من سنن ومندوبات. وقد علم أن التدبير
ليس عائداً إليه ولا إلى شيء من جهوده ولكنه عائد إلى الله عز
وجل.. إذن فليس ثمة أي مبرر (وقد أقبل يباشر وظائف عباداته)
أن يعرض عنها بعد إقبال، وأن يتجه إلى دنياه ومتجره بعد
إعراض.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الرابعة : أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 2:55 am

ـ هل من اليسير أن يتبرأ الإنسان من مزاعم التدبير مع
واجب اتخاذه الأسباب وما العلاج؟

ولكن هل من اليسير أن يخضع أحدنا شعوره وسلوكه لهذه الحكمة؟هل
من اليسير أن تستجيب مشاعري وأعصابي، بعد اقتناعي، لنصيحته
هذه: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك، لا تقم به
لنفسك»؟!..قد يقتنع عقلي نظرياً بهذا النصح، بعد الذي شرحناه
وبيناه. ولكن استجابة المشاعر والأعصاب والوجدان له، عسير
جداً. إذ الإنسان نزَّاع دائماً إلى وضع ذاته، من شؤونه كلها،
في موضع المدبر والمحقق للنتائج والأهداف. فإذا لاحت له بوادر
لا ترضي ولا تتفق مع طموحاته وأهدافه، أخذ القلق بمجامع نفسه،
وأخذت المشاعر والأفكار تطوف برأسه، باحثاً في نفسه عن كل ما
يملك وما لا يملك من السبل والأسباب، فلا تصفو له في هذه الحال
عبادة، ولا يذوق لذّةً لذكر أو طاعة أو قراءة قرآن. هذا إن كان
لديه ما يشده إلى القربات والعبادات في مثل هذه الحال. بل لا
يصفو له، والحالة هذه، عيش مع أهله، ولا يهنأ له رقاد في
عينيه.فما العلاج الذي ييسر هذا العسير؟ ما العلاج الذي يجعل
المشاعر والوجدان تتشرب هذه الحكمة تفاعلاً معها، كما خضع لها
العقل إيماناً بها؟
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الرابعة : أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك

مُساهمة  عامر شمس الحق في الجمعة أغسطس 20, 2010 2:55 am

ـ علاج ذلك الإكثار من ذكر الله ومراقبته

علاج ذلك يتمثل في الإكثار من ذكر الله، أي تذكره ومراقبته،
وخير سبيل لذلك ربط النعم بالمنعم جلّ جلاله، والتزام ورد دائم
منتظم من قراءة القرآن بتدبر وتأمل.. هذا العلاج ينمي محبة
الله في القلب، ويزيد الإنسان ثقة بحكمة الله ورحمته ولطفه.
فإذا داوم المسلم على هذا العلاج وأخذ نفسه به، وابتعد جهد
استطاعته عن الفواحشالآثام، فإن مشاعره الوجدانية تتشرب نصيحة
ابن عطاء الله هذه ويتذوقها ويركن إليها.إذن فالمسافة الفاصلة
بين الإيمان النظري بهذه الحكمة، والتفاعل السلوكي معها، تتمثل
في العكوف على هذا العلاج والمداومة عليه.فإذا قطعت هذه
المسافة، ذقت حلاوة هذه الحكمة، وتعاملت معها بسعادة وطمأنينة
بال!.. إذا طرق بابك طارق يخبرك بمشكلة وقعت في متجرك أو
بمشروعك، فلسوف تعود بذاكرتك إلى ماضي علاقتك مع متجرك أو
مشروعك، متسائلاً: هل قصرت في النهوض بالوسائل والأسباب التي
كان عليّ أن أنهض بها؟.. وتتبين أنك بحمد الله وتوفيقه لم تقصر
في شيء من ذلك، وأنك نفذت أوامر الله في التعامل مع الأسباب
واستخدامها إلى النهاية، إذن فلسوف تنام قرير العين هادئ
البال، مطمئناً إلى أن المشكلة ليست مسؤوليتك، وإلى أن حلها
ليس بيدك، وإنما الأمر كله بيد الله. أما وقد قمت بواجبك ونهضت
بالاحتياطات التي هداك الله إليها، فلسوف تحملك الثقة بحكمة
الله ورحمته، مع الحب الذي تنامى بين جوانحك لذاته العلية، على
الاستسلام لحكمه وقضائه موقناً أنه لن يختار لك إلاّ الخير، إن
لم يكن كذلك في ظاهره، فهو بلا شك خير في باطنه ومآله.. وبذلك
توفر لنفسك سكينة القلب وراحة الأعصاب وسرور القلب وبشاشة
الوجه... واستمرار العافية رهن بهذه الأسباب.ولست أنسى يوماً
كنت عائداً فيه إلى دمشق، وأدركتني صلاة المغرب في مشارف حمص،
فصليت المغرب في جامع سيدنا خالد بنالوليد، ولما انتهيت من
الصلاة، واتجهت للخروج من المسجد، واجهني داخلاً إليه رجل أسمر
اللون ذو ثياب رثة، واحد من هؤلاء (الدراويش) الذين لا يؤبه
بهم.. أقبل إليّ بابتسامة تغمر وجهه، وقد بدت الفرحة على
أساريره، قائلاً: ما لك؟.. ما لك لا ترقص فرحاً؟ ألا تعلم أن
الله مولانا؟ ألا تعلم؟.. إننا لسنا يتامى في جنبات هذا
الكون!.. ثم تركني وهو يتمتم منتشياً بهذا الكلام!.. ووقفت
أتأمل، وتذكرت قول الله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلَى
لَهُمْ } { محمد: 47/11 } لقد اتخذت من كلام ذلك الرجل، ومظهره
الذي كان كتلة فرح وطرب وابتهاج، واستسلام لعذوبة ولاية الله
له - اتخذت من لقياه عبرة ودرساً لي، وآمل أن يكون درساً
لأمثالي وإخواني جميعاً، نحن الذين يشملنا شرف التلاقي تحت
مظلة الولاية الربانية، والمثول تحت جناح رحماته وألطافه
العلوية.أجل.. ما الذي يخيفك ويقلقك، من تقلبات الدنيا
وأحوالها - بعد أن تؤدي وظيفتك في التعامل مع الوسائل والأسباب
المشروعة - إنكنت قد وقفت وقفة المستيقن بقول الله عز وجل: {
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا
وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
} { فاطر: 35/41 } عندما تتمتع بهذا اليقين، ستغمرك النشوة
بهذا التحبب الرباني إليك، ولسوف يقيمك الطرب ثم لا يقعدكَ،
عندما تسمع هذه الأبيات التي كثيراً ما يتغنى بها المنشدون،
دون أن تحدث أي أثر في نفوس أكثر المستمعين: كُنْ مع اللهِ
تَرَ الله مَعَكْ

واتركِ الكُلَّ وحاذِرْ طَمَعَكْ
لا
تُعَلِّقْ بسواهُ أَمَلاً

إنما يَسْقيكَ من قد
زَرَعَكْ

فإذا أعطاكَ؛ مَنْ يَمْنَعُهُ؟

ثُمَّ مَنْ
يُعْطي إذا ما مَنَعَكْ؟
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى