الحكمة الثالثة : سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكمة الثالثة : سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:20 pm

الحكمة الثالثة

سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ هذه الحكمة ذيل وتتمة للحكمة التي قبلها

هذه الحكمة ذيل وتتمة للحكمة التي قبلها وفيها أجوبة عن أسئلة
تثيرها الحكمة التي قبلها في الذهن. ودعونا نفسر أولاً هذه
الحكمة تفسيراً مجملاً في حدود المعنى المتبادر منها. «سوابق
الهمم لا تخرق أسوار القدر» الهمم هي العزائم التي يمتع الله
بها الناس في مجال الإقبال على شؤونهم، من تجارة وصناعة ودراسة
ونحوها.. هذه الهمم أو العزائم، مهما اشتدت وقويت، في نفوس
أصحابها، فإنها لا تستطيع أن تخترق أسوار الأقدار. والأسوار
جمع سور، وهو السور المعروف الذي يحيط بالبلدة. شبّه ابن عطاء
الله القَدر الذي قدّره الله في غيبه عليك وعليّ، بسور محكم
عالٍ غليظ يحيط بالبلدة، فمهما أراد الأعداء أن يخترقوه من هنا
أو هناك لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً. أي فأنت لا تستطيع أن
تلغي أو تقفز فوق أقدار الله تعالى بهممك ومحاولاتك مهما أوتيت
من براعة الحيلة وخوارق القوة.والمعنى الذي يرمي إليه ابن عطاء
الله هو التالي: يا ابن آدم اكدح كما تحب وابحث عن النتائج كما
تشاء ومارس الأسباب في عالمها الذي أقامك الله فيه، جهد
استطاعتك، ولكن فلتعلم أن الأسباب التي تتعامل معها، مهما كانت
ذات مضاء وفاعلية فيما يبدو لك، تتحول إلى ظواهر ميتة، إن هي
عارضت قضاء الله وحكمه المبرمين في سابق غيبه.وبادئ ذي بدء يجب
أن نتبين بدقة معنى كل من القضاء والقدر وما أكثر الذين فهموا
كلاً منهما فهماً باطلاً بل منكساً. ولقد حملني الجهل الذريع
بحقيقتهما على أن أخرج كتابي الذي أصدرته قبل عدة أعوام:
(الإنسان مسير أم مخير) إذ بسطت فيه هذا الموضوع وأخرجته من
دائرة التعقيد جهد استطاعتي، وأرجو أن يكون قد لعب دوره
المتوقع في إزالة الغموض الذي تطاول أمده على هذا الموضوع.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثالثة : سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:22 pm

ـ عود إلى بيان معنى القضاء والقدر

وها أنا، بهذه المناسبة، أعود إلى بيان معنى كل من القضاء
والقدر، بالقدر الذي يزيل عنهما اللبس والغموض، ويقطع دابر
المشكلات الوهمية التي يقوم ويقعد كثير من الناس بها.قضاء الله
عز وجل: علمه الأزلي بكل ما سيجري في المستقبل. أما القدر فهو:
وقوع الأشياء وجريانها، طبقاً لعلم الله الأزلي بها. إذن فعلم
الله بالأحداث الكونية قبل وقوعها هو (القضاء) فإذا وقعت
(ولن تقع إلا مطابقة لعلم الله) فذلك هو القدر.ثم إن القضاء
الذي يتحول اسمه لدى الوقوع إلى (قدر) منه ما يقع بخلق الله
دون أن يكون للإرادة البشرية مدخل أو أثر في وجوده، مثل
المصائب وأنواعها من موت ومرض وعاهات، ومثل الحوادث الكونية من
زلازل وخسف وإعصار وفياضانات.. ومنه ما يتم ظهوره بخلق الله
ولكن على إثر إرادة وقصد من الإنسان إلى ذلك، كالتصرفات
الاختيارية التي تصدر من الإنسان والمتمثلة في أنشطته التجارية
والزراعية والاجتماعية على اختلافها، وفي طاعاته وقرباته
الدينية من صلاة وصيام وحج ونحو ذلك.والمهم أن تعلم أن كلا
هذين النوعين داخل في معنى قضاء الله وقدره إذ كل ذلك إنما
يجري بعلم الله وخلقه، وأن تعلم أن خضوع كل شيء لسلطان قضاء
الله وقدره، لا علاقة له باختيار الإنسان وجبره. ولسنا الآن
بصدد بسط القول في هذا الموضوع الذي له مجاله الخاص به.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثالثة : سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:22 pm

ـ علاقة كلام ابن عطاء الله هنا بالحكمة السابقة

والآن، ما علاقة كلام ابن عطاء الله هنا بالحكمة التي فرغنا
الآن من شرحها؟ إليك الجواب:ربّ شخص يعكف على سبب من أسباب
الرزق مثلاً، ينصرف إليه ويتعامل معه. ويتبين لدى النظر أنه
سبب غير مشروع، فإن جاء مَنْ نَصَحَهُ بالابتعاد عنه وبعدم
التعامل معه لعدم شرعيته، ناقشه قائلاً: إن التسبب للرزق مشروع
ومطلوب، وإن الله يكره العبد البطال. وربما قال: إنني ملتزم
بحكمة ابن عطاء الله. فقد أقامني الله في عالم الأسباب، ومن ثم
فلا بدّ أن أتعامل معها.والجواب يتمثل في هذا الاستدراك الذي
يأتي ذيلاً للحكمة الثانية: «سوابق الهمم لا تخرق أسوار
الأقدار».أي عندما تجد أنك تتعامل مع أسباب غير مشروعة، كأن
تجد نفسك في بلدٍ يفور بالمحرمات، ونظرت، فإذا أنت منساق فيه
إلى ارتكاب الموبقات، فإن عليك أن تنفض يدك عن تجاراتك وأنشطتك
المالية كلها على اختلافها، وأن ترحل إلى مكان لا تلاحقك فيه
المعاصي والآثام. فإذا قال لك الشيطان: وهذا السبب الذي قيضه
الله لرزقك، أنّى لك البديل عنه إن أنت أغلقت السبيل إليه على
نفسك؟ل له: ومن أين لك أن تجارتي أو وظيفتي في تلك البلدة هي
مصدر رزقي وهي السبب الحقيقي لنعيمي وعيشي؟!.. أنّى لهذا الوهم
أن يسيطر عليّ وأنا ما زلت أعيش مع قول الله عز وجل: {
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } { العنكبوت: 29/17 }
إذن الرزق الذي سيأتيك مسطّر في علم الله، فهو داخل في قضائه،
ولن يأتيك منه إلا ما هو مسطّر لك في علمه وغيبه المكنون، وهذا
هو قدر الله المتفق مع قضائه.أما جهودك ونشاطاتك التجارية،
فإنما هي خادم لما هو مسطور في قضاء الله وحكمه، وللقدر الذي
سيقع مطابقاً لعلمه.قل لشيطانك الذي يوسوس إليك: إذا كان الله
قد كتب لي الغنى والرزق الوفير، فلسوف يتبعني هذا الذي كتبه
الله لي أنى ذهبت وأينما وجدت. وإن كان الله قد كتب لي في سابق
علمه رزقاً قليلاً ومالاً محدوداً، فلسوف يبقى قليلاً كما قضى
الله عز وجل، مهما عشت وتقلبت بين المشاريع التجارية، ومهما
رحلت أنتجع الرزق والغنى في غرب العالم وشرقه. ذلك لأن «سوابق
الهمم لا تخرق أسوار الأقدار» ولعلك أدركت الآن علاقة هذه
الحكمة بالتي قبلها.غير أن هذه الحقيقة قد تثير لدى بعض الناس
السؤال التالي: إذن فيمَ التعامل مع الأسباب، ما دام أنها لا
تخرق أسوار الأقدار؟.. فيمَ المشي في مناكب الأرض والسعي من
أجل الكدح والرزق؟والجواب أنك من الأسباب الكونية المختلفة في
إحدى حالتين: الحالة الأولى أن تكون الأسباب المشروعة كلها
بعيدة عنك غير خاضعة لنشاطك وجهودك، إذن فأنت في عالم التجريد
والمطلوب منك الاستسلام والانتظار.. وتكاثر الأسباب غير
المشروعة في حكم العدم كما ذكرنا، فالمطلوب منك تجاهلها
والابتعاد عنها.الحالة الثانية: أن تكون الأسباب المشروعة
موفورة أمامك ومن حولك، إذن فينبغي أن تقبل إليها وأن تتعامل
معها، لا لأنها ذات فاعلية أو مقاومة لقضاء الله وقدره، معاذ
الله!!.. بل لأن الله لما أقامك في خضمّها فقد أمرك بالتعامل
معها، مع اليقين الذي يجب أن لا يبارح عقلك، من أن الفاعلية
إنما هي لإرادة الله وحكمه، لا لتلك الأسباب التي تتعامل معها
وكأنك تعتمد عليها. أي فالإقبال على الأسباب المشروعة بالتعامل
معها والتقيد بها، إنما هو وظيفة أقامنا الله عليها وأمرنا
بها، فالتعامل في الحقيقة معه، لا معها، والآثار المترتبة،
إنما هي منه عز وجل، لا منها. وهذا يعني أن الأسباب خدم لقضاء
الله وقدره، وليس القضاء والقدر خادمين للأسباب. وهذا هو
المعنى الذي يرمي إليه ابن عطاء الله في حكمته الثالثة
هذه. ***ولنقف عند هذه الحقيقة التي أعلم أن كثيراً من
المسلمين لم يستيقنوها بعد، بل ربما تفاجأ باعتقاد أو تصور
مخالف، لدى بعض علماء المسلمين أو المشتغلين بأعمال الدعوة
الإسلامية؛ يلحّ أحدهم على أن الأسباب الكونية التي نتعامل
معها، كالنار والماء والسم والدواء والطعام.. إلخ تحتوي على
فاعلية كامنة في داخلها، فإن تذكر عقيدته الإيمانية وأراد أن
يتجاوب معها، استدرك وقال: ولكن الله هو الذي أودع فيها تلك
القوة أو الفاعلية!..وأنا لا أريد أن أحاكم هؤلاء الناس إلى
منطق علماء العقيدة والكلام لأن في هؤلاء الناس من لا يقيمون
وزناً لمنطقهم ولكثير من أقوالهم.
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثالثة : سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:23 pm

ـ هل في الأسباب الكونية فاعلية أودعها الله فيها؟ جواب
مفصل ودقيق عن هذا السؤال

2 ولكني أذكرهم بقواطع النصوص القرآنية، ثم بما تقتضيه عقيدة
التوحيد، أي الاعتقاد بوحدانية الله من حيث الذات والصفات.أما
قواطع النصوص، فأذكّرُ منها بما يلي:1 ً - قول الله تعالى: {
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } {
البقرة: 2/255 } وصف الله عز وجل ذاته بالقيوم، أي القائم بأمر
الكون كله على الدوام والاستمرار. أي فما من شيء يتحرك أو يؤثر
أو يتأثر إلا بفاعلية مباشرة منه في سائر الآنات واللحظات. فأي
فاعلية إذن بقيت بعد هذا للأسباب؟ 6 2 ً - قول الله تعالى: {
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ، أَلاّ تَطْغَوْا
فِي الْمِيزانِ ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا
تُخْسِرُوا الْمِيزانَ } { الرحمن: 55/7ـ9 } أي أن تتحرك
الأفلاك والأرض وما بينهما وما قد أودع فيها، وأن تؤدي وظائفها
التي أناطها الله بها، بتوجيه وأمرمنه عز وجل. ولا تنس أن كلمة
{ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } {
الفرقان: 25/20 } في الآية، وهي فعل مضارع، تدل على الدوام
والاستمرار. أي فكل ما تراه من الحركات والتبدلات الكونية،
صغرت أم كبرت، إنما يتم لحظة فلحظة بقدرة وأمر من الله عز وجل.
وإذا تأملت في هذا الكلام الرباني أدركت أن ما يتراءى لنا أنه
أسباب ليس إلا جنوداً محكومة بسلطان الله وأمره، تتلقى القدرة
والفاعلية من الله عز وجل لحظة فلحظة، فهل بقيت فيها - مع هذا
التقرير الإلهي - فاعلية كامنة منفصلة عن الفاعل الأوحد وهو
الله عز وجل؟..3 ً - قول الله عزل وجل: { وَمَنْ يُهاجِرْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً
وَسَعَةً } { النساء: 4/100 } تأمل مرة أخرى في كلمة { إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ } {
الذاريات: 51/58 } التي تدل على الدوام والاستمرار. ثم انظر
إلى القرار الرباني الذي تنطق به الآية. إنها تقول بصريح
البيان:كل ما تراه وما لا تراه عينك من القوانين والأنظمة
الكونية التي تقيم السماوات والأرض على نسقها ونظامها المعروف
أو المدروس، إنما يكتسب الدوام والاستقرار لحظة فلحظة بتدبير
الله وحكمه. ولو تخلى الله عنها لحظة واحدة لتهاوى واندثر كل
شيء، وهيهات عندئذ لكائن أو لسبب ما أن يحلّ محل الله في
الفاعلية والتدبير. إذن فالذي يضم كل لاحق مع سابق بسلك ما
نسميه السببية هو الله عز وجل، وإنما يتم ذلك، كما عرفنا الآن،
لحظة فلحظة. فكيف تكون، والحالة هذه، في مخلوقات الكون أياً
كانت فاعلية مستقرة كامنة؟4 ً - قول الله عز وجل: {
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } { العنكبوت: 29/17 }
إذا كانت في الفلك المشحون الذي يمخر عباب البحر، فاعلية كامنة
مستقرة، فلماذا نسب الله حمل الناس المحتشدين على ظهرها وفي
داخلها إلى ذاته العلية، ولم ينسبه إلى السفينة التي فيها قوة
مستقرة مودعة؟إن الآية تعلن أن الحامل للسفينة ومن فيها إنما
هو الله. إذن فقد انمحى وهم السببية الحقيقية فيها، وآلت
فاعلية الحمل والرعاية على الدوام والاستمرار إلى الله عز
وجل.5 ً - ومثله، بل أوضح منه، في الدلالة على الحقيقة ذاتها
قول الله عز وجل عن سيدنا نوح: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ
هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } { البقرة: 2/255 } 6 ً - وتتجسد
هذه الحقيقة التي تلتقي هذه الآيات على تقريرها وتأكيدها، في
الكلمة القدسية التي علمنا إياها رسول الله وأمرنا بتكرار
النطق بها والتشبع بمعناها، وهي: «لا حول ولا قوة إلا
بالله».فانظر إلى هذه الجملة الجامعة، كيف نفت جنس الحول كله
والقوة كلها، عن كل شــيء، وفي كــل لحظــة، لتحصرهــما في ذات
الله عز وجل. والمراد بالحول الحركة التي تنبعث من وجود
القدرة، فهي مبالغة في نفي القوة التي تبعث على الحركة
والتبدل، عن كل المخلوقات أياً كانت، وإثباتها لله وحده؛ فإن
رأيت انتشار حركة دائبة في المكونات كلها، فإنما انبعثت فيها
الحركة بقوة مرسلة إليها من الله عز وجل لحظة فلحظة. تماماً
كانتشار الضوء الذي يسري نهاراً في كل ما تراه من حولك، إنما
هو من سريان الأشعة التي تتجه إليها من الشمس لحظة فلحظة، فلو
تقلصت عنها هذه الأشعة لاكتست من ذلك ظلاماً دامساً.بقي أن
ألفت النظر إلى المنطق العلمي الذي تقتضيه عقيدة توحيد الله عز
وجل من حيث ذاته وصفاته وأفعاله. وهي العقيدة التي يجب أن يدين
بها كل مسلم.. ينبغي أن يعلم أن الله واحد في ذاته فليس في
الكون إله من دونه، وأن يعلم أنه واحد في صفاته فلا يشاركه
مشاركة حقيقية في شيء من صفاته أحد، وأن يعلم أنه واحد في
أفعاله، أي فهو وحده الخالق والصانع فلا يشاركه في الخلق
والصنع أحد.فإذا جاء من يعتقد أن في النار مثلاً قوة محرقة
أودعها الله فيها، ثم تركها، فهي بهذه القوة الكامنة في داخلها
تحرق، فذلك يعني أن في الكون قوة محرقة مستقلة بذاتها، كل ما
في الأمر أن الله جاء بها ووضعها في النار لتمارس بها وظيفة
الإحراق. إذن فقد أثبتت هذه العقيدة أن في الكون قوة غير قوة
الله تشاركه في إقامة نظام الكونحكمه وهي قوة الإحراق. وتصبح
النار عندئذ كالعقل الأليكتروني الذي يلقَّم المعلومات ليعود
فينطق أو يذكِّر بها. ويصبح عندئذ القول في الدواء وفاعليته،
والقول في السم وفاعليته، والقول في الطعام وفاعليته، كهذا
الذي قلناه عن النار والإحراق، في وهم هؤلاء الناس.. وتصبح
سائر القوى والقدر عندئذ مستقلة في وجودها وتأثيرها عن الله عز
وجل. وإنما يكون عمل الله تجاهها مجرد الاستعانة بها إذ يوزعها
بين الأشياء ويودع كلاً منها في المكان الذي يراه مناسباً
له!.. وهل هذا إلاّ شرك صارخ وصريح؟وهل تقف النصوص القرآنية
التي أتينا عليها من هذا التصور، إلا موقف النقيض من
النقيض؟!..
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثالثة : سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:25 pm

ـ الجواب عن السؤال القائل: ففيم التعامل مع الأسباب إذن

وقد علمت الجواب عن سؤال من قد يقول: ففيمَ التعامل مع الأسباب
إذن؟ ولماذا لا نخترقها جميعاً لنتعامل بدلاً منها مع الله،
وننتظر حكمه وسلطانه في كل ما نحتاج إليه من غذاء ودواء، ونجاة
مما نتوهمه سبباً للمصائب أو الآلام؟إن الجواب يتلخص في أن
التعامل مع الله إنما يكون بالانسجام مع أوامره والتعامل مع
نظامه الذي أقام هذا الكون على أساسه.وقد أمرنا إذا جعنا أن
نأكل، وإذا ظمئنا أن نشرب، وإذا مرضنا أن نبحث عن الدواء، وأن
نأخذ حذرنا مما يبدو أنه سبب للآلام أو الهلاك أو الأسقام. ثم
أمرنا أن نعلم علم اليقين أن لا فاعلية إلا لله،وأن لا تأثير
إلا بحكم الله، وأن نعلم أن الله هو الخالق لكل شيء والآمر له
بأداء الوظيفة التي وكلت إليه: { وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ
السَّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِه } { الروم: 30/25 } أمرنا أن
نتعامل مع ما يبدو لنا أنه سبب وعلة، وأمرنا في الوقت ذاته أن
نعلم أن «سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار».وكم يتجلى
انسجام هذه الشريعة التي كلفنا الله بها، مع الحقيقة
الاعتقادية التي علمنا الله إياها، في خطاب الله لمريم عندما
ألجأها المخاض إلى جذع النخلة: { تقوم } { الروم: 30/25 }
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكمة الثالثة : سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

مُساهمة  عامر شمس الحق في الخميس أغسطس 19, 2010 1:26 pm

ـ بيان الأثر التربوي الذي يتركه التعامل مع الأسباب مع
الاعتقاد الجازم بأن لافاعلية فيها

وانظر إلى الأثر التربوي الذي يتركه التعامل الشرعي مع
الأسباب، مع الاعتقاد الجازم بأن لا فاعلية فيها وبأنها خادم
لقضاء الله وقدره،إنه أثر تربوي رائع يحققه هذا الانسجام على
مستوى كل من النفس والصحة الجسمية، وراحة الفكر والبال.إن كان
في قضاء الله وقدره أن يثمر تعاملك مع الأسباب، وأن تصل من
ورائه إلى ما تبتغيه، فاض فؤادك يقيناً بأن المتفضل هو الله،
ومن ثم لا بدّ أن يلهج لسانك بشكره وحمده والثناء عليه.وإن كان
في قضائه عز وجل أن لا تصل من وراء تعاملك مع الأسباب إلى ما
تبتغيه، فلسوف تعلم أن المسألة عائدة إلى قضاء الله وحكمه، ومن
ثم فلن تحيل الأمر إلى جهل منك باستخدام الأسباب على نحو أدق،
أو إلى عجز منك في التحايل على الموانع والمشكلات التي واجهتك،
أو إلى افتراضات بأنك لو فعلت كذا.. لما كان كذا.. وأنك لو
تداركت الأمر على النحو الذي فعله فلان لنجحت كما نجح، ولما
وقعت في مغبة العجلة التي داهمتك.وكم في هذه الأوهام التي
تهيمن على أفكار كثير من الناس، ما يزجهم في أمراض جسدية، أو
كآبة نفسية، أو إرهاق فكري.ولكن المؤمن الذي جمع بين الانقياد
السلوكي لأحكام الشرع واليقين الاعتقادي بحقيقة القضاء الإلهي،
يبقى في نجوة وسلامة من هذه المصائب والآلام. إذ يعلم أن هذا
الذي وقع إنما هو نتيجة لقضاء الله وحكمه الذي لا بدّ أن يلحقه
ويقع به أينما ذهب وبأي حيلة أو سبب تمسك. فإذا كان ذا ثقة
بالله ورضا عنه؛ ازداد راحة وطمأنينة ويقيناً بأن ما انتهى
إليه هو الخير.ولسوف يكون عندئذ مظهر انقياد لوصية رسول الله
التي يقول فيها: «.. استعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا
تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان. ولكن
قل قدّر الله وما شاء فعل»
رواه_مسلم_من_حديث_أبي_هريرة._وأوله:_«المؤمن_القوي_ خير_وأحب_إ
لى_الله_من_المؤمن_الضعيف». .أخيراً يجب أن تعلم أن خضوع
الأسباب لقضاء الله وقدره، لا يعني أن الإنسان لا يملك إذن أي
اختيار أمام قضاء الله عز وجل، بل إن مسألة القضاء والقدر لا
علاقة لها باختيار الإنسان ولا بعدم اختياره.ولعلك تبينت هذا
من فاتحة حديثنا عن هذه الحكمة، عندما عرّفنا كلاً من القضاء
والقدر، ونبهنا إلى الوهم الذي يقع فيه كثير من الناس في فهم
معنى كل منهما.ومع ذلك فإن الأمر يحتاج إلى بيان أكثر تفصيلاً.
غير أن المجال هنا لا يتسع لأكثر مما ذكرنا. فإن كنت لم تصل
إلى قناعة تامة في هذه المسألة بعد، فارجع في الوقوف على تفصيل
وافٍ لها، وابتغاء الوصول إلى فهمٍ ثم قناعة تامة بالحق الذي
أوجزت بيانه بشأنها، إلى كتابي (الإنسان مسير أم مخير).
avatar
عامر شمس الحق

عدد المساهمات : 85
تاريخ التسجيل : 18/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى